المنتديات الرئيسية التحكم التسجيل تسجيل الخروج

 


استشارات مجانية في الرقية الشرعية 
 عدد الضغطات  : 12613


الإهداءات

« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: أختى : أنت نور الأمة (آخر رد :كلثوم)       :: علاج اخطر لامراض (آخر رد :كلثوم)       :: اختاري الزوج الصالح (آخر رد :كلثوم)       :: خيركم من بدأ بالسلام (آخر رد :نهى)       :: يا امة الله انذركي النار (آخر رد :نهى)       :: جدد حياتك العائلية (آخر رد :نهى)       :: الإعجاز العلمي في القرآن (آخر رد :نهى)       :: العاقلة والثقة فيما عند الله (آخر رد :بنت ملك الجبال)       :: بنت ملك الجبال يستخدم عدة عضويات لدخول المنتدى !! (آخر رد :فاعل خير)       :: تبليغ عن مشاركة بواسطة كلثوم (آخر رد :كلثوم)      


   
العودة   منتديات النور الإسلامي > منتديات الدعوة الإسلامية > منتدى الدعوة الى الله

منتدى الدعوة الى الله لإضافة كل ما يتعلق بالدعوة والدعاة وأساليب الدعوة الناجحة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 06-02-2005   #1
المشرف العام

 الصورة الرمزية أبو صالح
 





أبو صالح is a splendid one to beholdأبو صالح is a splendid one to beholdأبو صالح is a splendid one to beholdأبو صالح is a splendid one to beholdأبو صالح is a splendid one to beholdأبو صالح is a splendid one to beholdأبو صالح is a splendid one to beholdأبو صالح is a splendid one to behold

الداعية الحزين

الغزالي الداعية

محمد الغزالي.. الداعية الحزين! *

د. صابر عبد الدايم
يعد الشيخ "محمد الغزالي" (1917ـ 1996) من أسس الفكر الإسلامي المعاصر وقادته، وقد تصدر القمة في ميدان الدعوة الإسلامية، وكانت الدعوة لديه تقوم على المناقشة الموضوعية الهادئة الهادفة، والحجة المنطقية القوية، مع بلاغة الأسلوب، ورصانة العبارة والإتيان بالأدلة القوية، والبراهين الساطعة: العقلية والنقلية، وأحيانا كانت تتسم لغة الشيخ الغزالي في أحاديثه وخطبه وفي كتبه كذلك باللهجة الحادة الساخرة.. ولكنها تكون مقنعة. وقد خاض عدة ميادين فكرية وكلها في سبيل تقديم الإسلام إلى الناس، وعرضه عرضا قوياً مقنعاً، وتخليص حقائق الإسلام الصافية من كل الشبهات التي أثارها أعداء الإسلام.

المولد والنشأة

ولد الشيخ "محمد الغزالي" في قرية "نكلا العنب" التابعة لمحافظة البحيرة بمصر في (5 من ذي الحجة 1335هـ الموافق 22 من سبتمبر 1917م) ونشأ في أسرة كريمة، وتربى في بيئة مؤمنة؛ فحفظ القرآن، وقرأ الحديث في منزل والده، ثم التحق بمعهد الإسكندرية الديني الابتدائي، وظل به حتى حصل على الثانوية الأزهرية، ثم انتقل إلى القاهرة سنة (1356هـ ـ 1937م) والتحق بكلية أصول الدين، وظهر أول مقال له وهو طالب في السنة الثالثة بالكلية، وظل في دأبه على الكتابة أثناء المرحلة الجامعية إلى أن تخرج سنة (1360هـ ـ 1941م) ثم تخصص في الدعوة، وحصل على درجة "العالمية" سنة (1362هـ ـ 1943م) وبدأ رحلته في الدعوة في مساجد القاهرة.

وفي ميدان الفكر الإسلامي يقدم الغزالي أكثر من ثلاثين كتابا، تعالج موقف الإسلام من الحياة ومن السياسة والقوى العالمية، وتعالج مشاكل الإنسان الحياتية والمصيرية.

ففي ميدان مواجهة الفكر الإسلامي للأفكار المضادة، وحملات الاستعماريين يقدم الغزالي عدة كتب، فيكتب عن: الإسلام والاستبداد السياسي، ويكتب في جلاء ووضوح عن حقوق الإنسان بين تعاليم الإسلام وإعلان الأمم المتحدة، ويكتب مبينا حقيقة الاستعمار والمستعمرين ويوضح ذلك في كتابه "الاستعمار أحقاد وأطماع"، وينبه إلى خطر الفكر الشيوعي ويقدم شهادته في هذا المضمار في كتابه "الإسلام في وجه الزحف الأحمر".

وفي حقل الدعوة الإسلامية ـ فكراً ومنهجاً ـ يقدم ويعالج عدة قضايا فكرية ومنهجية، ومنها: كيف نفهم الإسلام، والدعوة الإسلامية تستقبل قرنها الخامس عشر، والمحاور الخمسة للقرآن الكريم، ويعالج قضية الإسلام والطاقات المعطلة، ثم يقدم تأملاته العميقة في الدين والحياة.

يقول الغزالي موضحاً أهمية الفكر الصحيح وضرورة الإيمان بهدف ورسالة فكرية مثمرة إيمانية: "الرجل صاحب الرسالة يعيش لفكرته ويعيش في فكرته، فحياته فكرة مجسمة تتحرك بين الناس، تحاول أبداً أن تفرض على الدنيا نفسها، وأن تغرس في حاضر الإنسانية جذرها ليمتد على مر الأيام والليالي فروعاً متشابكة تظلل المستقبل وتتغلغل فيه، ومن ثم تبدأ الدعوات والنهضات الكبرى برجل واحد، هو في بداية أمره أمة وحده، أمة يتخيل حقيقتها في رأسه، ويحس ضرورتها في دمه، ويبشر بها في كلامه، ويحمل أثقالها على كاهله.

الغزالي والحضارة الحديثة

وإلى جانب الجهود السابقة فإن الشيخ الغزالي الأديب الداعية، قد استطاع ـ في قدرة فائقة ـ أن يمزج بين توهج العاطفة واتزان التفكير وهو يتحرك في ميدان الدعوة مدافعاً عن الإسلام، ومقدماً صورته المضيئة للناس.

والساحة الكبرى التي صال فيها "الغزالي" وجال، وحاور وجادل، وكر وفر، وفاز هي ساحة "التماس" بين الإسلام والغرب، أو موقف الإسلام من الحضارة الحديثة، والغزالي حضاري التفكير، واقعي الرؤى، لا يلقي بالتهم في وجه منجزات الحضارة الغربية الحديثة ـ شأن بعض المسلمين ـ؛ ولكنه يفتش عن مواطن الداء في طريقة فهم المسلمين لدينهم، وكيفية تعاملهم مع منجزات العلم الحديث.. فيقول:

"إن الغزو الثقافي يمتد في فراغنا: هناك فراغ حقيقي في النفس الإسلامية المعاصرة؛ لأن تصورها للإسلام طفولي وسطحي يستقى من عهود الاضمحلال العقلي في تاريخنا، وكأن بينه وبين عهود الازدهار ترة".

إن هذه الرؤية الواقعية المحايدة لتخلف العالم الإسلامي عن ركب الحضارة الحديثة هي نقد ذاتي من داخل منهج كثير من المسلمين في تقديم عقيدتهم ونتاجهم الفكري للآخرين.

هذه الرؤية الناقدة دفعت بالشيخ الغزالي ـ رحمه الله ـ إلى رصد إيجابيات حركة التلاقي بين الإسلام والغرب، وهى حركة يجب أن يفيد المسلمون من تفاعلها وليس من تصادمها.

و"الغزالي" الداعية في كتابه "الغزو الثقافي يمتد في فراغنا" يؤكد أن صلة الحضارة الحديثة بالعرب أيام صدارتهم لا يمكن إنكارها، فإن أحبار اليهود وآباء الكنيسة جميعا حرصوا على الالتحاق بجامعات الأندلس، والارتواء من ثقافتها الخصيبة؛ وقد ترجموا القرآن إلى العبرية واللاتينية، وكان لترجمات معاني القرآن الكريم في مناهجهم أثر كبير، ويكشف "الغزالي" النقاب عن عدة ملامح تجسد إيجابيات التلاقي المتفاعل بين الإسلام والغرب؛ فنراه يشيد بالمنجزات العلمية الباهرة للحضارة الغربية، وينعي على المسلمين تخلفهم المزري في هذا المضمار!

ومن ملامح التفاعل والتلاقي بين الحضارتين.. حضارة الإسلام وحضارة الغرب: ما يسوقه الشيخ الغزالي على لسان نابليون، ورأيه في نابليون نفسه فهو في نظرة "رجل من عشاق المجد وطلاب العلا" ومما يفسر ذلك أن نابليون في كتاب "نظرات سياسية" يؤكد حبه للإسلام وتقديره لمده الحضاري وتعاليمه الرشيدة، ويرى نابليون أنه كان مقتنعا بأن الإسلام هو أصلح قاعدة لبناء أعظم دولة في التاريخ، وأن هذا الاقتناع صاحبه لدى إعداد الحملة الفرنسية على مصر!

وهذا الاعتراف سجله نابليون في كتابه وهو منفي بجز يرة "سانت هيلانه " التي قضى فيها نحبه، أي أنها ـ كما يقول الشيخ ـ تجارب قائد معمر بعد حياة عاصفة، وقد أدرك عظمة الإسلام والقدرات الروحية والمادية التي يوفرها لمجتمعه، فود لو يقيم باسمه دولة.

وأما الملمح الثاني من مظاهر التفاعل، وليس التصادم، بين الإسلام والحضارة الحديثة، فهو يتمثل في رأى الفيلسوف الفرنسي "فولتير" في الإسلام، وموقفه من الذين يهاجمون القرآن الكريم.. ويكيدون لأتباعه يقول "فولتير":

"كيف تحقرون كتابا يدعو إلى الفضيلة والزكاة والرحمة؟ كتابا يجعل الرضوان الأعلى جزاء لمن يعملون الصالحات، وتتوفر فيهم الكمالات الذاتية، إن الذين يهاجمون القرآن لم يقرؤوه قطعا"!!

وبعد هذه الشهادة القوية لفولتير عن القرآن الكريم.. والدفاع عنه، والدعوة إلى قراءته بتدبر، يؤكد "الغزالي" هذه الرؤية الحضارية الإيجابية للعلاقة بين الإسلام والغرب.

فيقدم للأجيال المعاصرة شهادة المفكر المسيحي "أبادي" في كتابه المطبوع سنة 1719هـ حيث يقول "أبادي" منوها بالنبي صلى الله عليه وسلم الإسلام ومدافعا عنه، ومشيدا بالقرآن الكريم:

"لا يسعنا إلا أن يكون لنا رأى رفيع في مكانة محمد وعده نبيا عظيما، فقد علم البشر أن يفردوا ربهم بالسلطان المطلق، ولم يمنح هذا السلطان أحدا من الخلق، ودفع الأجيال المتعاقبة إلى عبادة الله ذي الجلال والإكرام، فالله فوق عرشه رفيع الدرجات، والناس في إطار الخليقة الفقيرة إليه وحده. هل هناك شرع أكثر صحة من هذا الشرع؟ إن القرآن كتاب نبيل، ومن المؤكد أن محمدا شتت به ضلالات كثيرة".

إن هذه الرؤى الإيجابية عن الإسلام والقرآن في الفكر الغربي يقدمها الشيخ الغزالي إلى جماهير الأمة الإسلامية والعربية رغبة في رأب الصدع، وإزالة للفجوات العميقة التي حفرها الكثيرون في الطريق الواصل ما بين الحضارتين؛ وحين يقرأ المتشككون من أبناء جلدتنا في طبيعة الإسلام، والقيمة الإنسانية للقرآن الكريم؛ حين يقرأ هؤلاء "المستغربون" هذه الشهادات لمفكري الغرب وفلاسفته عن الإسلام سيراجعون أنفسهم، ويعيدون حساباتهم مع منهجهم التصادمي أو الرافض لقدرة الفكر الإسلامي على مواكبة ما يتطلبه العصر من تقنية وإنجازات حضارية.

إن "الغزالي" يستثير حمية المثقفين المسلمين المفتونين بالثقافات الأجنبية، ويأسى كثيراً لأن هؤلاء لم يستثمروا طاقاتهم الفكرية، ومنافذهم الثقافية في إلقاء الأضواء على طبيعة الإسلام، وقيمه العليا وأهدافه الإنسانية النبيلة، ويتساءل: ماذا أفدتم من هذه المقدرة؟ وماذا أفادت أمتكم منكم؟ هل استصحبتم دينكم وتاريخكم وأنتم تطالعون الثقافات الأجنبية؟

إنكم لم تترجموا العلوم، وكنا أفقر إليها وأحوج من الروايات الغرامية والجنائية التي زاحمتم بها لغتنا، وشغلتم بها أولادنا؛ ونقلتم أكاذيب المستشرقين، وفي الحضارة الغربية عباقرة كثيرون عرفوا للإسلام فضله، وقد روا له ما أسدى للعلم وللعالم.

إن هذه الرؤية الإيجابية لحركة التلاقي بين الإسلام والغرب لا تعني أن الغزالي غافل عن الوجه الآخر المضاد المجسد للصراع والتصادم، وهو وجه سلبي يشارك في تشكيل ملامحه المشوهة بعض أتباع الإسلام قبل أعدائه؛ أو الذين يجهلون معالمه وتضاريسه، ويسيئون تقديم الخطاب الإسلامي للناس؛ ومأساة الإسلام ـ كما يرى الشيخ الغزالي ـ تكمن في أن أناسا يتقدمون بتقاليد الشعوب على أنها تعاليم الوحي، بل إنهم يتقدمون بالأخطاء التاريخية على أنها توجيهات سماوية.

وستبقى الحضارة الحديثة حاكمة ما بقى هؤلاء يدعون ويكابرون، ولن تصح مسيرة العالم إلا بعودة الإسلام ذاته على أيدي أولى الألباب، ومن لهم قلوب؛ وسنظل نردد مع الداعية الفارس المؤمن "الشيخ الغزالي" والأسى يتملكنا، والأمل يدفعنا إلى البحث عن الطريق الصحيح، والمنهج القويم للتفا عل مع المد الحضاري المعاصر، حتى لا تظل آفاق المستقبل أمامنا ـ كما هي الآن ـ غائمة الرؤى، مطفأة الشموس، حالكة الأقمار، يقول الغزالي:

"لابد من إعادة النظر في ثقافاتنا كلها، أعنى ثقافتنا الذاتية؛ لننبذ منها ما ليس له رصيد من هداية الله؛ وإعادة النظر في العلوم الكونية والإنسانية التي تموج بها الأرض لنقتبس منها ما نحتاج إليه على عجل".

رحم الله الإمام الداعية الشيخ محمد الغزالي.. وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة، وجعل مقامه مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيق. آمين.


--------------------------------------------------------------------------------



-------------------------------------
وهذا رابط الموضوع

http://www.islamonline.net/arabic/in...icles/11.shtml

توقيع أبو صالح
أبو صالح غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-05-2005   #2

أنوار مشرقة تشرف المنتديات
 




طريق الشروق has a spectacular aura aboutطريق الشروق has a spectacular aura about

السلام عليكم

بارك الله فيكم شيخ صبري على النقل الطيب

ورحم الله الشيخ الغزالى وجميع علمائنا ومشايخنا

ولكن لم تذكر أقوال أهل عصره في ولم تذكر فكره الذى تبناه إلى إين ذهب به ؟

كان لابد لكم من تعقيب على المقالة ونحن ننتظر تعقيبكم الطيب ؟

توقيع 
طريق الشروق غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-05-2005   #3
المشرف العام

 الصورة الرمزية أبو صالح
 





أبو صالح is a splendid one to beholdأبو صالح is a splendid one to beholdأبو صالح is a splendid one to beholdأبو صالح is a splendid one to beholdأبو صالح is a splendid one to beholdأبو صالح is a splendid one to beholdأبو صالح is a splendid one to beholdأبو صالح is a splendid one to behold

الأخت الفاضلة / طريق الشروق حفظك الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أشكر لكِ مرورك الكريم وتعليقك المفيد وهاهو ما تيسر لي جمعه عن الشيخ محمد الغزالي وفي الطريق للمزيد من نفس المرجع السابق ذكره والله الموفق .

------------------

الشيخ محمد الغزالي .. سيرة ذاتية *

الغزالي

كان الشيخ "محمد الغزالي" واحدًا من دعاة الإسلام العِظام، ومن كبار رجال الإصلاح، اجتمع له ما لم يجتمع إلا لقليل من النابهين؛ فهو مؤمن صادق الإيمان، مجاهد في ميدان الدعوة، ملكَ الإسلام حياته؛ فعاش له، ونذر حياته كلها لخدمته، وسخر قلمه وفكره في بيان مقاصده وجلاء أهدافه، وشرْح مبادئه، والذوْد عن حماه، والدفاع عنه ضد خصومه، لم يدع وسيلة تمكنه من بلوغ هدفه إلا سلكها؛ فاستعان بالكتاب والصحيفة والإذاعة والتلفاز في تبليغ ما يريد.

رزقه الله فكرًا عميقًا، وثقافة إسلامية واسعة، ومعرفة رحيبة بالإسلام؛ فأثمر ذلك كتبًا عدة في ميدان الفكر الإسلامي، تُحيي أمة، وتُصلح جيلاً، وتفتح طريقًا، وتربي شبابًا، وتبني عقولاً، وترقِّي فكرًا، وهو حين يكتب أديب مطبوع، ولو انقطع إلى الأدب لبلغ أرفع منازله، ولكان أديبًا من طراز حجة الأدب ونابغة الإسلام "مصطفى صادق الرافعي"، لكنه اختار طريق الدعوة؛ فكان أديبها النابغ.

ووهبه الله فصاحة وبيانًا، يجذب من يجلس إليه، ويأخذ بمجامع القلوب فتهوي إليه، مشدودة بصدق اللهجة، وروعة الإيمان، ووضوح الأفكار، وجلال ما يعرض من قضايا الإسلام؛ فكانت خُطبه ودروسه ملتقىً للفكر ومدرسة للدعوة في أي مكان حلَّ به، و"الغزالي" يملك مشاعر مستمِعِه حين يكون خطيبًا، ويوجِّه عقله حين يكون كاتبًا؛ فهو يخطب كما يكتب عذوبة ورشاقة، وخُطَبه قِطعٌ من روائع الأدب.

و"الغزالي" رجل إصلاح، عالم بأدواء المجتمع الإسلامي في شتَّى ربوعه، أوْقف حياته على كشف العلل، ومحاربة البدع وأوجه الفساد في لغة واضحة لا غموض فيها ولا التواء، يجهر بما يعتقد أنه صواب دون أن يلتفت إلى سخط الحكام أو غضب المحكومين، يحرّكه إيمان راسخ وشجاعة مطبوعة، ونفس مؤمنة.

المولد والنشأة

في قرية "نكلا العنب" التابعة لمحافظة البحيرة بمصر وُلد الشيخ "محمد الغزالي" في (5 من ذي الحجة 1335هـ = 22 من سبتمبر 1917م)، ونشأ في أسرة كريمة، وتربّى في بيئة مؤمنة؛ فحفظ القرآن، وقرأ الحديث في منزل والده، ثم التحق بمعهد الإسكندرية الديني الابتدائي، وظل به حتى حصل على الثانوية الأزهرية، ثم انتقل إلى القاهرة سنة (1356هـ = 1937م) والتحق بكلية أصول الدين، وفي أثناء دراسته بالقاهرة اتصل بالإمام "حسن البنا"، وتوثقت علاقته به، وأصبح من المقرَّبين إليه، حتى إن الإمام "البنا" طلب منه أن يكتب في مجلة (الإخوان المسلمين)؛ لما عهد فيه من الثقافة والبيان، فظهر أول مقال له وهو طالب في السنة الثالثة بالكلية، وكان "البنا" لا يفتأ يشجعه على مواصلة الكتابة حتى تخرَّج سنة (1360هـ = 1941م) ثم تخصص في الدعوة، وحصل على درجة (العالمية) سنة (1362هـ = 1943م)، وبدأ رحلتَه في الدعوة في مساجد القاهرة.

في ميدان الدعوة والفكر

كان الميدان الذي خُلق له الشيخ "الغزالي" هو مجال الدعوة إلى الله على بصيرة ووعي، مستعينًا بقلمه ولسانه؛ فكان له باب ثابت في مجلة (الإخوان المسلمين) تحت عنوان (خواطر حيَّة) جلَّى قلمه فيها عن قضايا الإسلام ومشكلات المسلمين المعاصرة، وقاد حملات صادقة ضد الظلم الاجتماعي وتفاوت الطبقات وتمتُّع أقلية بالخيرات في الوقت الذي يُعاني السواد الأعظم من شظف العيش.
ثم لم يلبث أن ظهر أول مؤلفات الشيخ "الغزالي" بعنوان (الإسلام والأوضاع الاقتصادية) سنة (1367هـ = 1947م) أبان فيه أن للإسلام من الفكر الاقتصادي ما يدفع إلى الثروة والنماء والتكافل الاجتماعي بين الطبقات، ثم أتبع هذا الكتاب بآخر تحت عنوان (الإسلام والمناهج الاشتراكية)، مكملاً الحلقة الأولى في ميدان الإصلاح الاقتصادي، شارحًا ما يراد بالتأمين الاجتماعي، وتوزيع الملكيات على السنن الصحيحة، وموضع الفرد من الأمة، ومسئولية الأمة عن الفرد، ثم لم يلبث أن أصدر كتابه الثالث (الإسلام المفترى عليه بين الشيوعيين والرأسماليين).

والكتب الثلاثة تبين في جلاء جنوح الشيخ إلى الإصلاح في هذه الفترة المبكرة، ووُلُوجِه ميادين الكتابة- التي كانت جديدة تمامًا على المشتغلين بالدعوة والفكر الإسلامي-، وطرْقه سُبلاً لم يعهدها الناس من قبله، وكان همُّ معظم المشتغلين بالوعظ والإرشاد قبلَه الاقتصار على محارَبَة البِدَع والمنكرات.

في المعتقل

ظل الشيخ يعمل في مجال الدعوة حتى ذاعت شهرته بين الناس لصدقه وإخلاصه وفصاحته وبلاغته، حتى هبّت على جماعة (الإخوان المسلمين) رياح سوداء؛ فصدر قرار بحلها في (صَفَر 1368هـ = ديسمبر 1948م)، ومصادرة أملاكها والتنكيل بأعضائها، واعتقال عدد كبير من المنضمِّين إليها، وانتهى الحال باغتيال مؤسس الجماعة تحت بصر الحكومة وبتأييدها، وكان الشيخ "الغزالي" واحدًا ممن امتدت إليهم يدُ البطش والطغيان، فأُودع معتقل الطور مع كثير من إخوانه، وظل به حتى خرج من المعتقل في سنة (1369هـ = 1949م) ليواصل عمله، وهو أكثر حماسًا للدعوة، وأشد صلابةً في الدفاع عن الإسلام وبيان حقائقه.

ولم ينقطع قلمه عن كتابة المقالات وتأليف الكتب، وإلقاء الخطب والمحاضرات، وكان من ثمرة هذا الجهد الدؤوب أن صدرت له جملة من الكتب كان لها شأنها في عالم الفكر مثل: (الإسلام والاستبداد السياسي)، الذي انتصر فيه للحرية وترسيخ مبدأ الشورى، وعدَّها فريضةً لا فضيلة، وملزِمة لا مُعْلِمة، وهاجم الاستبداد والظلم وتقييد الحريات، ثم ظهرت له تأملات في: الدين والحياة، وعقيدة المسلم، وخلق المسلم.

من هنا نعلم

وفي هذه الفترة ظهر كتاب للأستاذ "خالد محمد خالد" بعنوان "من هنا نبدأ"، زعم فيه أن الإسلام دين لا دولة، ولا صلة له بأصول الحكم وأمور الدنيا، وقد أحدث الكتاب ضجةً هائلة وصخبًا واسعًا على صفحات الجرائد، وهلَّل له الكارهون للإسلام، وأثنَوا على مؤلِفه، وقد تصدى "الغزالي" لصديقه "خالد محمد خالد"، وفنَّد دعاوى كتابه في سلسلة مقالات، جُمعت بعد ذلك في كتاب تحت عنوان (من هنا نعلم).

ويقتضي الإنصاف أن نذكر أن الأستاذ "خالد محمد خالد" رجع عن كل سطر قاله في كتابه (من هنا نبدأ)، وألّف كتابًا آخر تحت عنوان (دين ودولة)، مضى فيه مع كتاب "الغزالي" في كل حقائقه، ثم ظهر له كتاب (التعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام)، وقد ألفه على مضض؛ لأنه لا يريد إثارة التوتر بين عنصري الأمة، ولكن ألجأته الظروف إلى تسطيره ردًّا على كتاب أصدره أحد الأقباط، افترى فيه على الإسلام، وقد التزم "الغزالي" الحجة والبرهان في الرد، ولم يلجأ إلى الشدة والتعنيف، وأبان عن سماحة الإسلام في معاملة أهل الكتاب، وتعرض للحروب الصليبية وما جرّته على الشرق الإسلامي من شرور ووَيلات، وما قام به الإسبانيون في القضاء على المسلمين في الأندلس بأبشع الوسائل وأكثرها هولاً دون وازع من خُلق أو ضمير.

"الغزالي" وعبدالناصر

بعد قيام ثورة 1952م، ونجاح قادتها في إحكام قبضتهم على البلاد، تنكروا لجماعة (الإخوان المسلمين) التي كانت سببًا في نجاح الثورة واستقرارها، ودأبوا على إحداث الفتنة بين صفوفها، ولولا يقظة المرشد الصلب "حسن الهضيبي" وتصديه للفتنة لحدث ما لا تُحمد عقباه، وكان من أثر هذه الفتنة أن شبّ نزاع بين "الغزالي" والإمام المرشد انتهى بفصل "الغزالي" من الجماعة وخروجه من حظيرتها.

وقد تناول "الغزالي" أحداث هذا الخلاف، وراجع نفسه فيها، وأعاد تقدير الموقف، وكتب في الطبعة الجديدة من كتابه (من معالم الحق في كفاحنا الإسلامي الحديث)، وهو الكتاب الذي دوّن فيه "الغزالي" أحداث هذا الخلاف فقال: "لقد اختلفت مع المغفور له الأستاذ "حسن الهضيبي، وكنت حادَّ المشاعر في هذا الخلاف؛ لأنني اعتقدّت أن بعض خصومي أضغنوا صدر الأستاذ "حسن الهضيبي" لينالوا مني، فلما التقيت به- عليه رحمة الله- بعد أن خرج من المعتقل تذاكرنا ما وقع، وتصافَينا، وتنَاسَينا ما كان، واتفقت معه على خدمة الدعوة الإسلامية، وعفا الله عما سلف".

وهذا مما يحسب لـ"الغزالي"، فقد كان كثير المراجعة لما يقول ويكتب، ولا يستنكف أن يؤوب إلى الصواب ما دام قد تبين له، ويعلن عن ذلك في شجاعة نادرة لا نعرفها إلا في الأفذاذ من الرجال.

وظل الشيخ في هذا العهد يجأر بالحق ويصدع به، وهو مغلول اليد مقيد الخطو، ويكشف المكر السيئ الذي يدبره أعداء الإسلام، من خلال ما كتب في هذه الفترة الحالكة السواد مثل: (كفاح دين)، (معركة المصحف في العالم الإسلامي)، و(حصاد الغرور)، و(الإسلام والزحف الأحمر).

ويُحسب لـ"الغزالي" جرأته البالغة وشجاعته النادرة في بيان حقائق الإسلام، في الوقت الذي آثر فيه الغالبية من الناس الصمت والسكون؛ لأن فيه نجاة حياتهم من هول ما يسمعون في المعتقلات، ولم يكتفِ بعضهم بالصمت المهين، بل تطوع بتزيين الباطل لأهل الحكم وتحريف الكلم عن مواضعه، ولن ينسى أحد موقفه في المؤتمر الوطني للقوى الشعبية الذي عُقد سنة (1382هـ = 1962م) حيث وقف وحده أمام حشود ضخمة من الحاضرين يدعو إلى استقلال الأمة في تشريعاتها، والتزامها في التزيِّي بما يتفق مع الشرع، وكان لكلام "الغزالي" وقعُه الطيب في نفوس المؤمنين الصامتين في الوقت الذي هاجت فيه أقلام الفتنة، وسلطت سمومها على الشيخ الأعزل فارس الميدان، وخرجت جريدة (الأهرام) عن وقارِها وسخِرت من الشيخ في استهانة بالغة، لكن الأمة التي ظُن أنها قد استجابت لما يُدبَّر لها خرجت في مظاهرات حاشدة من الجامع الأزهر، وتجمَّعت عند جريدة الأهرام لتثأر لكرامتها وعقيدتها ولكرامة أحد دعاتها ورموزها، واضطُّرت جريدة الأهرام إلى تقديم اعتذار.

في عهد السادات

واتسعت دائرة عمل الشيخ في عهد الرئيس "السادات"، وخاصةً في الفترات الأولى من عهده التي سُمح للعلماء فيها بشيء من الحركة، استغله الغيورون من العلماء؛ فكثفوا نشاطهم في الدعوة، فاستجاب الشباب لدعوتهم، وظهر الوجه الحقيقي لمصر، وكان الشيخ "الغزالي" واحدًا من أبرز هؤلاء الدعاة، يقدمه جهده وجهاده ولسانه وقلمه، ورزقه الله قبولاً وبركةً في العمل؛ فما كاد يخطب الجمعة في جامع "عمرو بن العاص"- وكان مهملاً لسنوات طويلة- حتى عاد إليه بهاؤه، وامتلأت أروِقته بالمصلين.

ولم يتخلَّ الشيخ "الغزالي" عن صراحته في إبداء الرأي، ويقظته في كشف المتربصين بالإسلام، وحكمته في قيادة من ألقوا بأزمّتهم له، حتى إذا أعلنت الدولة عن نيتها في تغيير قانون الأحوال الشخصية في مصر، وتسرب إلى الرأي العام بعض مواد القانون التي تخالف الشرع الحكيم؛ قال الشيخ فيها كلمته، بما أغضب بعض الحاكمين، وزاد من غضبهم التفاف الشباب حول الشيخ، ونقده بعض الأحوال العامة في الدولة، فضُيق عليه وأُبعد عن جامع (عمرو بن العاص)، وجُمّد نشاطه في الوزارة، فاضطُّر إلى مغادرة مصر للعمل في جامعة (أم القرى) بالمملكة العربية السعودية، وظل هناك سبع سنوات لم ينقطع خلالها عن الدعوة إلى الله، في الجامعة أو عبر وسائل الإعلام المسموعة والمرئية.

في الجزائر

ثم انتقل الشيخ "الغزالي" إلى الجزائر ليعمل رئيسًا للمجلس العلمي لجامعة (الأمير عبدالقادر) الإسلامية بقسطنطينة، ولم يقتصر أثر جهده على تطوير الجامعة، وزيادة عدد كلياتها، ووضع المناهج العلمية والتقاليد الجامعية، بل امتد ليشمل الجزائر كلها؛ حيث كان له حديث أسبوعي مساء كل يوم اثنين يبثه التلفاز، ويترقَّبه الجزائريون لما يجدون فيه من معانٍ جديدة وأفكار تعين في فهم الإسلام والحياة، ولا شك أن جهاده هناك أكمل الجهود التي بدأها زعيما الإصلاح في الجزائر: عبدالحميد بن باديس، ومحمد البشير الإبراهيمي، ومدرستهما الفكرية.

ويقتضي الإنصاف القول إن الشيخ كان يلقَى دعمًا وعونًا من رئيس الدولة الجزائرية "الشاذلي بن جديد"، الذي كان يرغب في الإصلاح، وإعادة الجزائر إلى عروبتها بعد أن أصبحت غريبة الوجه واللسان، وبعد السنوات السبع التي قضاها في الجزائر عاد إلى مصر ليستكمل نشاطه وجهاده في التأليف والمحاضرة.

"الغزالي" بين رجال الإصلاح

يقف "الغزالي" بين دعاة الإصلاح كالطود الشامخ، متعدد المواهب والملَكات، راض ميدان التأليف؛ فلم يكتفِ بجانب واحد من جوانب الفكر الإسلامي؛ بل شملت مؤلفاته: التجديد في الفقه السياسي ومحاربة الأدواء والعلل، والرد على خصوم الإسلام، والعقيدة والدعوة والأخلاق، والتاريخ والتفسير والحديث، والتصوف وفن الذكر، وقد أحدثت بعض مؤلفاته دويًّا هائلاً بين مؤيديه وخصومه في أخريات حياته مثل كتابَيه: (السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث) و(قضايا المرأة المسلمة).
وكان لعمق فكره وفهمه للإسلام أن اتسعت دائرة عمله لتشمل خصوم الإسلام الكائدين له، سواءٌ أكانوا من المسلمين أو من غيرهم، وطائفة كبيرة من كتبه تحمل هذا الهمّ، وتسدُّ تلك الثغرة بكشف زيغ هؤلاء، ورد محاولاتهم للكيد للإسلام.

أما الجبهة الأخرى التي شملتها دائرة عمله فشملت بعض المشتغلين بالدعوة الذين شغلوا الناس بالفروع عن الأصول وبالجزئيات عن الكليات، وبأعمال الجوارح عن أعمال القلوب، وهذه الطائفة من الناس تركزت عليهم أعمال الشيخ وجهوده؛ لكي يفيقوا مما هم فيه من غفلة وعدم إدراك، ولم يسلم الشيخ من ألسنتهم، فهاجموه في عنف، ولم يراعوا جهاده وجهده، ولم يحترموا فكره واجتهاده، لكن الشيخ مضى في طريقه دون أن يلتفت إلى صراخهم.

وتضمنت كتبه عناصر الإصلاح التي دعا إليها على بصيرة؛ لتشمل تجديد الإيمان بالله وتعميق اليقين بالآخرة، والدعوة إلى العدل الاجتماعي، ومقاومة الاستبداد السياسي، وتحرير المرأة من التقاليد الدخيلة، ومحاربة التدين المغلوط، وتحرير الأمّة وتوحيدها، والدعوة إلى التقدم ومقاومة التخلف، وتنقية الثقافة الإسلامية، والعناية باللغة العربية.

واستعان في وسائل إصلاحه بالخطبة البصيرة، التي تتميز بالعرض الشافي والأفكار الواضحة التي يعد لها جيدًا، واللغة الجميلة الرشيقة، والإيقاع الهادئ والنطق المطمئن؛ فلا حماسة عاتية تهيج المشاعر والنفوس، ولا فضول في الكلام يُنسي بضعه بعضًا، وهو في خُطَبه معلِّم موجه، ومصلح مرشد، ورائد طريق يأخذ بيد صاحبه إلى بَر الأمان، وخلاصة القول إن الغزالي توافرت فيه من ملكات الإصلاح ما تفرق عند غيره؛ فهو: مؤلف بارع، ومجاهد صادق، وخطيب مؤثر، وخبير بأدواء المجتمع بصير بأدويته.

من أهم مؤلفاته

- الإسلام والأوضاع الاقتصادية (وهو أول كتبه 1947م)

- السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث.

- قضايا المرأة المسلمة.

- فقه السيرة.

- دستور الوحدة الثقافية (وهو شرح للأصول العشرين).

- من هنا نعلم.

- قذائف الحق.

- ركائز الإيمان.

- الإسلام والاستبداد السياسي.

- علل وأدوية.

الوفاة

لقي الشيخ ربه وهو في الميدان الذي قضى فيه عمره كله- حيث كان في مؤتمر للدعوة الإسلامية بالرياض، واحتد النقاش في مسألة متعلقة بالعقيدة فانبرى الشيخ موضحًا ومعلمًا فأصيب بأزمة قلبية تُوفي على أثرها- رحمه الله- في (19 من شوال 1270هـ = 9 من مارس 1996م)، ودُفِن بالبقيع في المدينة المنورة.

من مصادر الدراسة:

- يوسف القرضاوي: الشيخ الغزالي كما عرفته - دار الشروق - القاهرة - 1420-2000م.

- عبد الحليم عويس وآخرون: الشيخ "محمد الغزالي".. صور من حياة مجاهد عظيم ودراسة لجوانب من فكره - دار الصحوة للنشر - القاهرة 1413هـ = 1993م.

- محمد عمارة: الشيخ "محمد الغزالي".. الموقع الفكري والمعارك الحربية - الهيئة المصرية العامة للكتاب - القاهرة - 1992م.

- محمد رجب بيومي: النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين - دار القلم - دمشق 1420هـ = 1999م.


--------------------------------------------------------------------------------
الرجل الإنسان

الغزالي.. قلب رقيق ولسان بالحق طليق

مسعود صبري*


غلاف كتاب الإسلام والمناهج الاشتراكية

يفرد هذا المقال الحديث عن صفات الشيخ الغزالي وأخلاقه وجهاده، وما عُرِفَ عنه من سلوك في حياته، وإن كان الشيخ قد كتب "خلق المسلم" -وهو من أجود وأروع ما كُتب في الأخلاق حديثا- فإني أحسب أننا بحاجة لمعرفة خلق صاحب "خلق المسلم".

فقد تميز الشيخ بصفات كثيرة، قَلَّ أن تجدها في أقرانه، وربما كانت تربية الشيخ في بيت أبيه الصالح، والتحاقه بجماعة الإخوان المسلمين، وتأثره بشيوخه من علماء الأزهر، وطبيعة المرحلة التي عاشها؛ من الملكية، والاحتلال الإنجليزي، والثورة، والحكم الدكتاتوري والاعتقالات وغيرها من أحداث كان لها كبير الأثر في صفاته المكتسبة، بالإضافة إلى صفاته الشخصية الثابتة الموروثة.

ومن أهم الصفات التي تميز بها الشيخ الغزالي، رحمه الله:

الإنصاف ورد الفضل لأهله

فكان دائمًا ما يذكر أهلَ الفضل بالفضل، ولو اختلف معهم، وكثيرا ما يذكر فضل شيوخه عليه، وتأثره بهم؛ فهو يقول مثلا عن الشيخ البنا رحمه الله:

"وإني أعترف -رادا الفضل لأهله- بأني واحد من التلامذة الذين جلسوا إلى حسن البنا، وانتصحوا بأدبه، واستقاموا بتوجيهه، واستفادوا من يقظاته ولَمَحَاته" (في موكب الدعوة، ص: 11).

ويقول عن انتسابه لجماعة الإخوان:

"انتسبت لجماعة الإخوان في العشرين من عمري، ومكثت فيها قرابة سبع عشرة سنة، كنت خلالها عضوا في هيئتها التأسيسية، ثم عضوا في مكتب الإرشاد العام. وشاء الله أن يقع نزاع حاد بيني وبين قيادة الجماعة، انتهى بصدور قرار يقضي بفصلي، وفصل عدد آخر من الأعضاء. وبعد عدة شهور من ذلك الحدث صدر قرار حكومي بحل الجماعة كلها، والإجهاز على جميع أنشطتها.

وأريد أن أكون منصفا؛ فإن الزعم بأن جميع الإخوان أشرار سخف وافتراء، والزعم بأن الجماعة كلها كانت معصومة من الخطأ غرور وادعاء" ( قذائف الحق، ص: 71).

التجرد

وتميز الشيخ الغزالي بالتجرد وعدم الانحياز في كثير من آرائه، وخاصة مع الأشخاص، فليست معايشته لفلان تجعله يغض الطرف عن أخطائه، ولا عداوته لأحد تجعله ينسى مكانته، وما قدمه من خير.

فهو كثيرا ما يذكر الانحلال الغربي، ومع هذا يذكر أن القوم أصدق منا في كثير من الأمور، وأن ما توصلوا إليه كان نتيجة تخطيط وجهد وتعب، وشورى وديمقراطية يعيشونها.

ويوضح موقفه من الدعاة والعاملين في حقل الدعوة، فيقول: "إن النهضة الإسلامية الجديدة إذا كانت تراجعت في ميدان السياسة، فإنها نجحت نجاحًا محمودًا في ميادين أخرى، وأستطيع القول: إن بذورها العقلية والعاطفية قد أثمرت وازدهرت في جولات كثيرة، صنعت بجهدها الفردي شيئا طائلا بما يرضي الله، وينفع العباد.

على أننا إذا نوهنا بقيمة التوجيه الصحيح في تكوين الأجيال الجديدة، فيجب أن نكشف الغطاء عن فريق من الدعاة الذين تكلموا عن الإسلام، واشتغلوا بعرض تعاليمه؛ فكان أسلوبهم في الفهم والعرض عونا على إنجاح الحركات المناوئة له، وإمدادها بقوى دفعتها إلى الإمام.

هذا الفريق إن كان مخلصا فيما صنع فهو يعيد إلى الأذهان قصة الدابة التي قتلت صاحبها، وهي تدفع عنه. وإن كان مغرضا يبطن للإسلام غير ما يظهر، أو يضمر لدعاته الأوفياء غير ما يجب؛ فالويل له من الله ومن الناس" (في موكب الدعوة، ص: 13-14).

الجمع بين الرقة والسَّوْرة

وقد عُرف عن الشيخ أنه كان رقيق القلب، أما التحدي فيثير فيه الغضب، ولعل هذا مما أثار عليه حفيظة الكثيرين؛ فمعظم الآراء التي كتبها قال بها غيره، غير أن غيرته على الإسلام، وخوفه من إبرازه في صورة غير لائقة جعلته يخرج عن الحد المطلوب في بعض الأحايين؛ فيصف بعض الآراء الفقهية بأنها فقه بدوي، أو أن هذه تقاليد عبس وذبيان، أو يصف البعض بالبَلَه، ويصف آخر بالغفلة أو الحماقة، وغير ذلك.

ومع هذا فقد كان الشيخ سريع الدمعة، فربما قرأ آية من كتاب الله أثرت في مسيرته، أو حديثا نبويا يرشده إلى تغيير سلوكه، أو بيتا من الشعر تُمَجَّد فيه حضارة الإسلام، فيكاد يبكي على ما ضاع من حضارة الإسلام.

وربما نظر لرجل بائس الحال في الطريق فيرق حاله له، ويصب اللوم على حكام المسلمين لتقصيرهم في حق شعبهم، إلى غير ذلك.

وقد عبر الشيخ عن رقته وسورته في كثير من المواقف، فيقول: "وقد كنت حريصا على الصمت الجميل يوم عرفت أني سأعمل للإسلام وحدي، بيد أن أحدا من خلق الله اعترضني ليقول لي: إن تكلمت قُتِلت! فكان ذلك التهديد هو الحافز الفذ على أن أتكلم وأطنب.

إن اللفظة الرقيقة تطوي عنقي فأستسلم، أما التحدي فإنه يهيج في طبيعتي غرائز الخصام.

وقد يرى القارئ فيما كتبته هنا، أو فيما كتبته هناك، أو فيما كتبته من قبل خطأ في فكرة، أو جورا في عاطفة، يجب ألا تغالي!! ليكن ذلك كله أو شيء منه. فهذه نفسي، وهذه صحائفي، وأرجو ألا أتملق إلا ربي، وألا أهتم لأحكام الناس" (في موكب الدعوة، ص: 253).

أدبه مع العلماء

وقد كان الشيخ الغزالي مقدرا لعلماء الأمة، ينهل من كل ما يراه خيرا، ويكاد يُجَنُّ حين يسمع مَن لا فقه له ولا علم يطعن في أحد الأئمة، بل ربما وصل إلى حد الإسفاف له؛ حفاظًا على مكانة الأئمة في الأمة!!

وكان يرى أن عدم احترامنا لعلمائنا من دعائم سقوط حضارتنا، ويشيد بأن الأمم الأخرى تحترم أصحاب نظريات فارغة.. فما بالنا لا نحترم سادة الأمة من العلماء؟

ومع اختلافه في بعض الآراء مع بعض العلماء فإنه كان يُنزل كل إمام منزلته، ويعطيه قدره الذي يستحقه، فيقول: "مع أني أميل أحيانا إلى الفقه الحنفي، فإني جانح بفؤادي وإعجابي إلى الشافعي وهو يقول عن علمه: وددت لو انتشر هذا العلم دون أن يعرف الناس صاحبه! ليتنا نُرزَق هذا الإخلاص.

ومع ضيقي بتساهل صاحب المسنَد في إيراد بعض المرويات؛ فإني أتبعه بإعزاز عميق وهو يتكبر على الدنيا، ويستعف عن مآربها، ويستصغر المال والجاه والحكم وهو يدرس للناس.

إن هؤلاء الأئمة الكبار شيوخنا جميعا عن جدارة، والبحث العلمي بصوابه وخطئه لا يعكر ما يجب للعلماء من توقير" (تراثنا الفكري، ص: 174، وانظر أيضا: قذائف الحق: 108-109).

ولم يكن تقدير الشيخ الغزالي موقوفا على أئمة الشرع الحنيف، بل هو يقدر كل إمام في فنه، ولا يعني تقديره له أنه يسلم له الزمام في كل شيء، غير أن نقده له لا يجعله يبخس حقه.

يقول الشيخ: "اطلعت على مجلة أحبها، فقرأت فيها لَمْزًا للأديب الحر المصلح عبد الرحمن الكواكبي، وتفسيقًا لرجلين من بناة النهضة الإسلامية الحديثة، وأنا أحد تلامذة المنار وشيخها محمد رشيد، وأستاذه الشيخ محمد عبده.

وأنا أعرف أن المتنبي -غفر الله له- كان يحب المال إلى حد البخل، ويحب الإمارة إلى حد الجنون، ومع ذلك أطرب لشعره، وأستجيده وأستزيده، وإذا لم يكن أميرًا لشعراء العرب؛ فهو من قممهم.

إنني لا أجعل عيبا ما يغطي مواهب العبقري، ثم لحساب مَنْ أهدم تاريخنا الأدبي والديني؟ ولمصلحة مَن أشتم اليوم علماء لهم في خدمة الإسلام وكبت أعدائه كفاح مقدور؟

ومَن يبقى مِنْ رجالنا إذا أخذت تاريخ الشيخين أبي بكر وعمر مِنْ أفواه غلاة الشيعة، وتاريخ علي بن أبي طالب من أفواه الخوارج، وتاريخ أبي حنيفة من أفواه الإخباريين، وتاريخ ابن تيمية من ابن بطوطة وابن فلان، وتاريخ محمد بن عبد الوهاب من أفواه الترك .. إلخ.

وددت لو أُعنت على محاكاة أبي حامد الغزالي مؤلف "لجام العوام عن علم الكلام"؛ فألفت كتابا عنوانه "إلجام الرعاع والأغمار عن دقائق الفقه ومشكل الآثار"؛ لأمنعهم عن مناوشة الكبار، وأشغلهم بما يصلحون له من أعمال تناسب مستوياتهم، وتنفع أممهم بهم" (علل وأدوية، ص: 81-82).

وفي موقفه من الإمام ابن تيمية يظهر احترامه للإمام الأعظم، ويظهر تقديره له وإنصافه، مع عدم الإغفال عما وقع فيه من خطأ؛ فهو يقول: "وما يأخذه الكاشحون على أبي الحسن يؤخذ مثله على ابن تيمية عندما توقف في نفي الجسمية عن الله؛ فلا يثبت ولا ينفي، وهذا خطأ، وكان ينبغي أن يلتزم بقوله تعالى "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ" (الشورى: 11)، فيجزم بالنفي! كما يؤخذ عليه -أيضا- نفيه للمجاز في القرآن وفي اللغة العربية كلها، إن علماء اللغة وأدباءها وشعراءها يبتسمون من هذا النفي الغريب.

ولكن هذه الهنات لا تنال من قدر إمام شامخ كبير العقل، راسخ اليقين، شديد البلاء في نصرة الإسلام ورد أعدائه" (سر تأخر العرب والمسلمين، ص: 90، طبع دار الريان للتراث).

الجرأة في الحق والجهاد الدائم

كانت الحالة السياسية والاجتماعية التي عاشها الشيخ توجب عليه -مع ما تميز به من صفات- أن يكون صاحب الجهاد بالكلمة والقلم، وكل ما يمكن فعله من أنواع للجهاد ممكنة؛ فقد كان يحرك الشعوب لرفع الظلم عن نفسها، وأن تسعى إلى إزالة الفساد عن أوطانها، وأن تدافع عن الوطن المغتصب، وقد كانت رؤيته للحكام الذين تربعوا على عرش مصر خاصة والعالم العربي عامة تتصف بالوضوح الشديد، وعدم المواربة أو المداهنة؛ فيصف كل إنسان بما يستحق من مدح أو ذم.

فقد كان مجاهدا للنظام الشيوعي، ساعيا لإقصائه عن حياة المسلمين، فقد كتب "الإسلام والزحف الأحمر" في وقت محنة عصيبة، ويحكي عن ذلك فيقول: "ولا بأس أن أقصَّ محنة مرت بي؛ فقد ألفت كتابي: الإسلام في وجه الزحف الأحمر خلال أيام عصيبة، كان صوت الشيوعية عاليا، وكان السلطان معها، وكان التجهم لها خرابًا للبيت، وطريقا إلى السجن.

ونظرت إلى صحائف الكتاب في يدي قبل أن أدفع به إلى مطبعة بعيدة، وقلت: ربما كان موتي في هذا الكتاب! ولكن نفسي قالت لي: بئست الحياة أن تبقى بعد أن يموت دينك، فمضيت في طبع الكتاب، وليكن ما يكون!

وشاء الله أن يخرج الكتاب بعدما هوي الصنم، وأصيب أتباعه بنكسة موجعة! فحمدت الله أن ناصرت الحق في محنته، ثم لم أُصَبْ بأذى! وقررت أن أستمر في جهادي مستندًا إلى الله وحده" (كنوز من السنة، ص: 38-39، طبعة نهضة مصر).

وقد كان صاحب مواقف مشرفة ضد الفساد الملكي الذي أزرى بالبلاد، وكاد أن يأخذها إلى الهاوية، فيقول: "إنه من فضل الله علينا أن رفضنا السير في موكب العبيد، وأننا شننا حربا ضارية على الفساد الملكي، وحواشيه وذيوله وظاهره وباطنه، وجرأنا العامة على النيل منه، والتهجم عليه. ولئن كانت ثورة الجيش قد أفلحت في اكتساح هذه المساخر فإن ذلك بتوفيق الله، ثم بما نشرنا في طول البلاد وعرضها من أفكار حرة ضد الاستبداد والفوضى" (في موكب الدعوة، ص: 113-114).

ويقول في موطن آخر: "في هذا الكتاب مقالات أحارب بها الوهن، الوهن الذي أطمع الأعداء في استذلالنا، وجرَّأ الخالية والعاطلة أن تلطمنا، وقد كتبتها أشعل بها الحماس ضد المغيرين على تراث الإسلام في كل مكان، وأغري الأمة أن تواصل كفاحها الواجب حتى يخرجوا.

ولما كانت الوثنيات السياسية في ربوع الإسلام تكأة خبيثة لهذا العدوان الكافر، فإني لم أهادنها طرفة عين، وقد كان كتابي: الإسلام والاستبداد السياسي حلقة من سلسلة كتب هتكتُ فيها أستار الإقطاع المدبر، وحذرت الشعوب مغبَّة الاستسلام له من أحوال المجتمع والدولة.

وقد بُلينا في ميدان الجهاد بنفر يتهيبون الأوضاع الباطلة كما يتهيب العميان المسير على شاطئ البحر، ويتهربون من مغارم البطولة كما يتهرب الأطفال المناظر المهولة! فما الذي أقحمكم إذن في ساحة لستم لها؟ وما تعنِّيكم أمرًا فوق ما تطيقون؟!

غير أن هؤلاء الخوَّارين -الذين وقع في أيديهم زمامنا- تعقبوا جهادنا ضد الفساد، يريدون أن نرجع فيه بخفَّي حنين؛ فلا هم عملوا، ولا هم تركوا غيرهم يعمل، ولا هم رضوا بمنزلة القاعدين التي استحقوها بتراخيهم. لقد استحبوا أن يعيشوا لصوص أمجاد في ميدان الجهاد. وسرقة المجد كسرقة المال، أمر تستنكره الشرائع، وتأباه الطباع السليمة (في موكب الدعوة، ص: 4-6).

لما حاول الرئيس جمال عبد الناصر أن يمحو من الدستور كون مصر دولة إسلامية وقف هو (الشيخ الغزالي) والشيخ أبو زهرة -رحمهما الله- كأسدين هصورين ضد هذا الخَبَل، وكان لهما ما أرادا؛ مِنْ أن تظل مصر دولة إسلامية.

وفي موقفه من جمال عبد الناصر يتعجب الشيخ من هذا الرجل؛ فقد كان مِمَّن انتسب إلى الإخوان، وكان معاشرا للشيخ وإخوانه، لكن طرأ عليه ما لم يعرفه الشيخ؛ فهو يتعجب من منح جمال عبد الناصر لـ"سوكارنو" رئيس إندونيسيا الأسبق -وهو معروف بعدائه للإسلام- "العالمية الفخرية" من الأزهر الشريف، حيث يقول: "والحق أني حائر في فهم جمال عبد الناصر، لقد كنت -كما يعلم الناس- من جماعة الإخوان المسلمين، وأقر أن جمال عبد الناصر وكمال الدين حسين بايعا في ليلة واحدة على نصرة الإسلام، ورفْع لوائه، وقد كنت قريبا من مشهد مثير، وقف فيه جمال عبد الناصر أمام قبر حسن البنا يقول: نحن على العهد وسنستأنف المسيرة"!

كان ذلك عقب قيام الثورة بأشهر قلائل، وقد وضع كتاب "مسلمون كبار"، كمجموعة مقدمات للرسائل التي كانت تصدر تحت عنوان "اخترنا لك" أمضاها جمال عبد الناصر، وفيها أشرف ما يؤكده زعيم مسلم نحو أمته ودينه.

لا أدري ما حدث بعد ذلك؟ إنه تغير رهيب في فكر الرجل وسيرته، جعله في كل نزاع بين الإسلام وطرف آخر ينضم إلى الطرف الآخر:

انضم إلى الهند في خصومتها المُرّة ضد باكستان المسلمة.

انضم إلى الحبشة في عدوانها الصارخ على إرتريا.

انضم إلى تنجانيقا وأغضى عن المذبحة الشنعاء التي أوقعتها بشعب زنجبار المسلم، ورحَّب أحَرَّ ترحيب بـ"نيريري" الذي يتظاهر بالاشتراكية، وهو قسيس كاثوليكي.

انضم إلى القبارصة اليونان في نزاعهم مع القبارصة المسلمين، وجعل الأزهر يستقبل "مكاريوس" عدو الكيان الإسلامي للأتراك.

كان أسدًا هصورًا في قتال اليمن، وحَمَلا وديعا في قتال اليهود، حتى جعل اليهود -وهم أحقر مقاتلين في العالم- يزعمون أنهم لا يُقْهَرون في حرب.

سريع إلى ابن العم يلطم خده وليس إلى داعي الندا بسريع

ولقد ساند "البعث العربي" الحاقد على الإسلام، ورفض مساندة أي تجمع إسلامي، واخترع حكاية القومية العربية لتكون بديلا عن العقيدة الإسلامية.

ومن الإنصاف أن نقول: إن عددا من رجال الثورة لم يكونوا راضين عن هذا الاتجاه الخاطئ" (قذائف الحق، ص: 140-141).

ومن المواقف الجهادية للشيخ الغزالي حين وضع عبد الناصر الميثاق الوطني قيام الشيخ معترضا على الجانب العلماني واليساري منه، فانبرى الرسام الكاريكاتيري الذي يقال إنه شيوعي "صلاح جاهين"، ورسم نصف صفحة في جريدة الأهرام، ساخرا من الشيخ وعمامته، وهنا خرجت الجماهير الغفيرة المسلمة غاضبة، وقامت بتحطيم واجهة مبنى جريدة الأهرام، واضطرت الجريدة إلى تقديم اعتذار، كما قدم الرسام اعتذاره بتدخل من الدولة خوفا على حياته من غضب المسلمين.

وفي عهد الرئيس السادات أراد تغيير قوانين الأحوال الشخصية، والافتيات على حقوق الرجل الشرعية، وتقييد تعدد الزوجات، فقام الشيخ يخطب منددًا بهذا المشروع، وقامت الجماهير بمظاهرات تطالب بإلغاء هذا القانون، وقد كان لهم ما أرادوا. (الشيخ محمد الغزالي، تاريخه وجهوده وآراؤه، للدكتور عبد الحليم عويس، ص: 9، وانظر: العطاء الفكري للشيخ محمد الغزالي، ص: 191-192).

ومن جهاد الشيخ ما لاقاه من اضطهاد وعنت، بل وحبس وتعذيب، فقد اعتقل الشيخ في زمن حكومة إبراهيم عبد الهادي باشا، ومكث في سجن الطور سنة، وكان سجنه قبل الثورة وبعدها، وقد حكى ما حدث له تفصيلا في المعتقل، وذلك في كتابه "قذائف الحق" (قذائف الحق، ص: 98-108).

شهادته في قضية فرج فودة

والكاتب فرج فودة من الكتاب العلمانيين الذين كانوا يدعون صراحة إلى فصل الدين عن الدولة، ويرى أن تحكيم الشريعة من الرجعية؛ لأن الزمن تغير، والأحوال تغيرت، وكان يدعو إلى أن تكون الدولة مدنية بعيدة عن الدين.

وقام بعض الشباب باغتيال فرج فودة، وكان لزاما على المحكمة أن تقول كلمتها فيهم، بعد أن قال محاموهم بأن فرج فودة مرتد عن الإسلام، والمرتد يُقتَل في الإسلام.

واستدعت المحكمة الشيخ الغزالي، وأفتى بجواز أن يقوم أفراد الأمة بإقامة الحدود عند تعطيلها، وإن كان هذا افتياتا على حق السلطة، ولكن ليس عليه عقوبة، وهذا يعني أنه لا يجوز قتل من قتل فرج فودة.

فقامت الدنيا ولم تقعد بعد شهادة الشيخ الغزالي، واتُّهم الرجل بألسنة حداد أشحة على الخير مِنْ أناس لم يستقر الإيمان في قلوبهم، فضلا عمن يعادي منهج الإسلام.

وذهب وزير إلى بيت الشيخ، وطلب منه أن يصرح أو يكتب مقالا يفسر به موقفه من قضية فرج فودة، لكن الشيخ أصر على موقفه، وعاد الوزير مرة ثانية يلح على الشيخ، فأجابه: أنا لم أكتب مقالا في صحيفة، ولا ألقيت خطبة في جامع، ولا محاضرة في جمعية، ولكني استدعيت للشهادة أمام محكمة، فشهدت بما أعتقد أنه الحق الذي أدين الله به وألقاه عليه، فإذا كان في شهادتي بعض الغموض فلتدعني المحكمة مرة أخرى، وأنا أشرح لها موقفي (الشيخ الغزالي كما عرفته، ص: 271-275، للدكتور يوسف القرضاوي. وانظر: أحكام الردة والمرتدين من خلال شهادتي الغزالي ومزروعة، ص 298-300، للدكتور محمود مزروعة، طبعة خاصة بالمؤلف 1414هـ).

وهكذا كانت شخصية الشيخ وصفاته الحميدة التي تعتبر امتدادا لتاريخ سلفنا الصالح. ولو جاز للأمة أن تبكي موتاها، فما يكفي الأمة أن تمكث السنين بكاء على شيخ الإسلام محمد الغزالي، فإنا نحسبه امتدادًا لمدرسة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقد أحبه وتشرب منه، ووهب حياته لخدمة دينه، فرحمه الله رحمة واسعة، وعوَّض الأمة عنه خيرا.
----------------------------------------------------------
المرأة في فكره



الغزالي: المرأة رئيس دولة

أكره البيوت الخالية من رباتها! إن ربة البيت روح ينفث الهناءة والمودة في جنباته ويعين على تكوين إنسان سوي طيب، وإلى جانب هذه الحقيقة فإني أكره وأد البنت طفلة...



--------------------------------------------------------------------------------


الغزالي.. نصير المرأة

المرأة مطالبة بنشر تعاليم الدين والدعوة إليه وتحبيبه من أصحاب الديانات الكبرى، ولها الأجر من الله عز وجل "لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر لو أنثى بعضكم من بعض".‏..‏

----------------------------
فقيه الدعاة

الفكر الفقهي لدى الشيخ الغزالي

مسعود صبري *

كتاب مشكلات في طريق الحياة الإسلامية

إذا كان البعض يرى أن الشيخ الغزالي ليس له فقه؛ لأنه لم يترك لنا كتبا اختصها بالتأليف الفقهي فإن البعض يرى أن الغزالي يمكن أن نسمي فقهه بفقه النفس، كما يرى ذلك الشيخ القرضاوي، فإن الشيخ رحمه الله كان فقيهًا، وهبه الله المَلكَة الفقهية، ولكنه آثر ألا يكون فقهه نظريا، فارتبط فقهه بالجانب العملي من الإسلام، بما يخدم حياة الناس في عصره، كما جعله وسيلة للدعوة إلى الله تعالى، وهو في هذا يجعل الفقه حيا ينبض بالحياة في واقع الناس.

مثلما كان الإمام البلقيني، أحد المجددين في الإسلام، فقد كان فقيها من الطراز الأول، ولكنه لم يؤثر عنه كتب كاملة في الفقه؛ لأنه اشتغل بالتدريس والاهتمام بحياة الناس.

كما اشتغل الشيخ الغزالي بآلام الأمم وآمالها، والتفكير في مستقبل أفضل لها، فكان يسوق من الفقه ما يخدم قضيته، فظهر فقهه حيا، فما رضي لنفسه أن يكون منهجه نظريا، أو يكتب فيما كتب فيه كثير من علماء الأمة على مر العصور، إلا ما كان يستدعيه، ليخدم واقع المسلمين، أو يدافع به عن الإسلام، أو يظهر وجهة نظر رأى أنها اندثرت، و هي في حاجة إلى الظهور والبروز في حياة المسلمين، أو يصحح بعض المفاهيم السائدة، فلم يكن هدفه التأليف الفقهي في حد ذاته. ولكن هذا لم يمنع أن يؤلف كتابا يعالج فيه قضية فقهية، أو يخصص بعض الفصول في بعض كتبه لبعض القضايا.

ويمكن تناول الفكر الفقهي لدى الشيخ الغزالي في المرتكزات الآتية :

مفهوم الفقه عند الشيخ الغزالي


كتاب فقه السيرة

يوضح الدكتور علي الصوا نائب عميد كلية الشريعة، بالجامعة الأردنية مفهوم الفقه عند الشيخ الغزالي أنه يقوم على معرفتين:
الأولى: معرفة أحكام الله في قضايا الناس، وهي ما لا يحتاج إلى جهد، والعلم بها قدر مشترك بين كثيرين.

الثانية: معرفة أحوال الناس، وقضاياهم الواقعية، وهذه تحتاج إلى جهد عسير؛ لأن استكشاف الحقيقة ليس أمرًا سهلاً؛ فإن للناس حيلاً في إخفاء ما يرتكبون من آثام لمنع ايقاع العقاب الصحيح. وقد استدل الامام بقوله تعالى: "وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلاً آتينا حكمًا وعلمًا" (الأنبياء 77/78). وقال الشيخ بعد أن ساق النص: "هذا الفهم الخاص وسيلة لاستبانة الواقع وضبط الحكم عليه، لذلك فإن الفقيه الذي له الحق في الاجتهاد في نظر الشيخ الغزالي هو من عايش الوحي وخبر حكمته وأحكامه، وتدبر القرآن الكريم، وصحب الرسول في سيرته صلى الله عليه وسلم، واستبطن سنته من أقوال وأفعال وتقريرات، وتأثر به، وله قدرة على تصريف أحوال الحياة وفق أحكام الدين، وإلحاق أحكام الحوادث بما علم من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وبما وعى من مقاصد الإسلام وأهدافه .

موقف الإمام من التراث الفقهي

والشيخ رحمه الله كان يقدر هذا المجهود التراثي العظيم الذي تركه الأئمة، غير أنه لا يعتبره مقدسا، فأخذ ما كان موافقا لطبيعة عصرنا الذي نعيش فيه، فيرى أن الفقهاء اجتهدوا لعصرهم، وعلينا أن نسلك نهجهم، وأن نجتهد لعصرنا مع الاستفادة من التراث الزاخر.

ويمكن الوقوف بشيء من الوضوح من موقف الشيخ الغزالي من التراث في النقاط الآتية:

1- شمولية النظرة الفقهية:

فالشيخ الغزالي يرى أن الفقه الإسلامي جاء بنظرة شمولية، فتناول جوانب الحياة الفردية والاجتماعية، فهو يضبط علاقة الإنسان بربه، وعلاقة الإنسان بنفسه، وعلاقته بغيره، كما يضبط علاقة الفرد بالمجتمع وبالدولة، ويوضح كيفية تعامل الدولة الإسلامية مع غيرها من الدول.

2- محدودية المصادر وتنوع أساليب الاجتهاد:

والشيخ يركز على أن التراث الإسلامي مع ضخامة ما ورد فيه من مسائل جزئية كثيرة، فإنه محصور المصادر.

أما سر التنوع الدافق بهذه الأحكام المتجددة، فينبجس من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

ومع أن النصوص والقواعد التي تعتبر دعائم هذا الفقه محدودة يمكن استيعابها، لكن أساليب الاجتهاد في تنزيل صور الحياة عليها، ووزن أعمال المكلفين بها، هي التي وسعت دائرة الفقه، وقد بدأ الاجتهاد مع ابتداء الإسلام نفسه.

3- قبول الاختلاف الفقهي:

والاختلاف الفقهي من أكبر القضايا الفقهية التي ناقشها الشيخ الغزالي في كثير من كتبه، وخاصة في كتابه دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين، حيث أفرد له عشرات الصفحات، ويتلخص رأي الشيخ فيه أنه يقبل الاختلاف الفقهي، ويرجع الشيخ الغزالي هذا الاختلاف لعدة أسباب، منها:

- الاختلاف الفكري للبشر:

فهو شيء فطري عند البشر، وذلك لاختلاف طرق التفكير، وأساليب التنظير، وبالتالي هو سبب للاختلاف الفقهي. فيقول الإمام: "اختلاف العقول أمر طبيعي، ومن العسير جمع الناس على مذهب واحد في الفكر والاستنتاج، و هو شيء مستحيل أو قريب من الاستحالة".

- طبيعة النصوص الشرعية:

فطبيعة النصوص الشرعية تدعو إلى الاختلاف الفقهي في فروع الأحكام، فمنها ما هو ظني الدلالة، ومع اختلاف طبيعة التفكير، ينشأ اختلاف الفقه لهذه النصوص، فإن القرآن حمَّال أوجُه، وفي السنن والأسانيد التي رويت كلام طويل.

ويرى الشيخ الغزالي أن الاختلاف الفقهي أمر طبعي، فهو وجهة نظر فقيه ما، في فهم النص السماوي، وهذا الاختلاف إنما هو في فروع المسائل لا في أصول الدين، ومع ذلك فهو ضرورة؛ لأن الحياة أعقد من أن تسيرها المبادئ القريبة.

ويستدل الشيخ الغزالي على أهمية وجود هذه المذاهب في فهم النص السماوي بقوله تعالى: "وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم" [النساء: 83].

وأن الرجوع إلى أهل التخصص أمر قرره القرآن حين قال: "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون "[النحل :43].

ويذهب الشيخ الغزالي إلى أن الاختلاف في المسائل الفرعية باق ما بقيت الحياة، ويجب ألا نتطير منه، وألا نحاول قتله أو تجاهله، و أن "الإسلام صائغ أولئك الرجال كلهم، وهم لم يصوغوه.

وأن مصادر الإسلام معصومة لأنها من عند الله، ولكن التفكير فيها والاستنباط منها غير معصوم؛ لأنه من عند الناس.

4- تضخيم الخلافات مرفوض:

وهو ينكر تضخيم تلك الأمور الخلافية، ويراها نوعا من الشطط في التفكير، فـ" إن العقائد والعبادات الرئيسية والسنن العملية جاءت كلها عن طريق التواتر القاطع، وإن أصول الدين والأركان و القواعد لا يرتقي إليها لبس أو تفاوت، وإنما يحدث الخلاف في أمور ثانوية لا يضخمها إلا أصحاب الفكر المختل".

كما يرى الشيخ أن هناك أنواعًا من الخلاف الفقهي واللغوي يعدها نتيجة لطبيعة البشر الذهنية والنفسية ولا يخشى منها، أما الخلاف المولود على مصاطب الفراغ والثرثرة، الشاغل لمجالس اللهو والبطالة، فهو معصية لله، وتوهين للأمة، ولم يكن هذا موجودًا عندما شغلت الأمة برسالتها، وعبأت قواها كلها لمواجهة أعداء الإسلام، فلما استراحت من هذه الأعباء أخذت تتحدث في دينها، وتتقعر في فهم عالم الغيب، و ضرب على ذلك مثلا بالخلاف حول مسألة أين الله.

و لذلك يضع الغزالي - رحمه الله - بعض المقررات في مجال الاختلاف الفقهي، من ذلك:

1- أن الأمور المتفق عليها في الإسلام كثيرة، سواء في مجال العبادات والمحظورات والأخلاق والتقاليد، وأن هذا المتفق عليه يقيم أمة لها مكانتها في الدنيا والآخرة، ولكن انشغل الكثيرون بالخلافات العارضة، وترك استثمار المتفق عليه.

2- أن المذاهب الكبرى اختلفت في الفروع لا في الأصول، وكان من الواجب التعاون فيما اتفق عليه، وقبول العذر فيما اختلف فيه، ولكن انشغلوا بالخلافات الفقهية الخاصة بالعبادات، وكان من الأولى أن نوفر قوانا في البناء على الأركان الممهدة التي بنيت عليها حضارة الإسلام.

3- ويرجع الشيخ الغزالي جزءًا من الخلاف الفقهي إلى الترف العقلي، وهناك جزء الخلاف فيه لفظي، وأن الاستبداد السياسي أشعل نار الخلاف في بعض القضايا، وأن بعض هذا الخلاف يجب أن يكون بين الخاصة ولا تشغل به العامة، وأن طرفًا من هذا الخلاف يرجع إلى جمود التقليد المذهبي.

كما يعيب الشيخ الغزالي على أتباع الأئمة الأربعة أنهم قدسوا أقوالهم، وأنزلوا أقوال أئمتهم منزلة القرآن والسنة، فقال: "جاء الأتباع أخيرًا، فأخذوا أقوال أئمتهم على أنها الأصل الذي يشرح، ونظروا إليها كأنها الدين الذي يتبع.

ونشأ عن هذه جفوة بين مقلدي المذاهب المختلفة، كما نشأت جفوة بين كتب الحديث وكتب الفقه. مما أضر في النهاية بالأمة الإسلامية.

ومن الظواهر التي جعلت الشيخ الغزالي يقبل الخلاف بين الفقهاء، أنه وجد هذا الخلاف بين المشتغلين بالحديث، فيقول: "ولقد تتبعت خلافًا نشب بين المشتغلين بالسنة، فوجدته لا يقل عما يجري بين الفقهاء، فابن حزم يوقع الطلاق الثلاث، ويرى هذا الحكم ما تدل عليه السنة ولو بكلمة واحدة، وابن تيميه يرى غير ذلك، ويعد الثلاث واحدة ما دامت في المجلس أو بلفظ واحد، ويبني على ذلك جواز الرجعة، بينما يرى ابن حزم أنه لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره.

وابن حزم يرى الغناء – الحسن - مباحًا، ويجيز بيع آلاته من معازف ومزامير، بينما يرى ابن الجوزي وابن تيميه وابن القيم تحريم هذا كله.

ولو تتبعنا ما اختلف فيه المعتمدون على الأحاديث لطال بنا الإحصاء.

طرق لترشيد الخلاف:

ولا يقف الشيخ الغزالي عند احترام الخلاف الفقهي، ولكنه يسعى إلى تقليله والتقليل من آثاره السلبية، ويرى لو أنهم اجتمعوا على التعاون في المتفق عليه، لما بقي لديهم وقت للخلاف على الفرعيات، ولو اختلفوا عليها ما بقي وقت لتحويل الخلاف إلى حرب باردة أو ساخنة.

ومن الوسائل التي طرحها الغزالي لترشيد الخلاف أن ينشغل كل إنسان بما يحسن في تخصصه، وأن يترك الخلاف لأهل البحث والاجتهاد.

نظرة الشيخ الغزالي للمدارس الفقهية

رغم احترام الإمام الغزالي للمدارس الفقهية، فلا يمنعه ذلك من إبراز ما وقعت فيه هذه المدارس من خطأ، أو ما جانبها فيه الصواب حسب اجتهاد الشيخ، سواء في ذلك المدارس الفقهية القديمة، أو المدارس الفقهية الحديثة.

فيظهر احترام الشيخ الغزالي وتقديره للأئمة الأربعة في كثير مما كتب، فهو يشير إليهم تحت عنوان "الأئمة الأربعة رجال لا نظير لهم"، ويقول تحته: درست سير الأئمة الأربعة، فوجدت نفسي أمام رجال ليس لهم في التاريخ الإنساني نظائر.

ويرى أن الشهرة التي تمتعوا بها لم تكن بالصدفة، بل أتتهم عن جدارة، و يوضح الشيخ الغزالي الأسباب التي جعلتهم يتمتعون بهذه الصدارة في سببين رئيسين:

الأول: اعتماد الفقهاء في آرائهم على السنة مع القرآن، إضافة إلى الإحاطة بالمعاني والغايات المشتملة في الكتاب والسنة.

الثاني: انشغال كثير من أهل الحديث بالاهتمام بالأسانيد أكثر من المتون، وشغلتهم العنعنة عن الفقه الرحب، فلم يحسنوا تقرير الأحكام والمصالح.

ويرى الشيخ الغزالي أنه لا بد من الالتحام بين الفقه والسنة، فإنه لا فقه بلا سنة، ولا سنة بلا فقه، فهما وجهان لعملة واحدة.

مدرسة الرأي ومدرسة الأثر هما من أقدم مدارس الفقه في تاريخ المسلمين، وترجع بذورهما إلى عصر الصحابة، ولكنهما تبلورا في عصر انتشار المدارس الفقهية على يد كبار الفقهاء كالأئمة الأربعة وغيرهم.

ويرى الشيخ الغزالي أن القول بأن هناك فقهاء يطرحون النص ويتبعون رأيهم، وأن هناك فقهاء يلتزمون النص دون إعمال فكر، فهذا كلام يحتاج إلى تفسير، ولا يمكن أخذه على ظاهره.

فمدرسة الرأي أو أهل المعنى كما يسميهم الشيخ الغزالي لا تلغي الآثار الواردة في مسألة من المسائل، ولكنها تنظر إلى الأحاديث والآثار في ضوء الملابسات التي تحيط بها، ويفسرونها على ضوئها، وهو ما يعرف بأسباب ورود الحديث، وهم يجعلون الكتاب حاكمًا على ما جاء في السنة من آثار، محددًا لمعانيها، كما أنهم يجمعون النصوص الكثيرة في المسألة الواحدة، ثم يرجحون ما يرونه أصوب في نظرهم.

ومدرسة الأثر، أو أهل النص – كما يسميهم الشيخ الغزالي- يغلب عليها إمضاء ظاهر النص، مع البعد عن الحرفية كالتي عرفت عن ابن حزم، وإن كانت الحرفية تظهر في ترجيحهم لبعض الآراء في عدد من القضايا.

ويرجع اختلاف المدرستين – كما يرى الشيخ الغزالي - إلى الطبيعة العقلية للناس، فاختلاف الطبائع العقلية لبني البشر أمر مقرر، وقد ظهر منذ العصر النبوي، ولا يزال إلى يومنا هذا .

ومع تقدير الشيخ الغزالي للمدرستين: الأثر والرأي، فإنه يأخذ على كل منهما بعض الصفات، فهو يأخذ على مدرسة الرأي تجاوزها بعض الأحاديث الصحيحة، ويرى أنه لا معنى لتركها، وليست هناك مصلحة تدعو لتجاوزها ؛ ويضرب على ذلك مثلاً أن الأحناف يرون الخمر محرمة لذاتها، ما أسكر منها وما لم يسكر.

كما يأخذ الشيخ الغزالي على بعض المنتسبين لمدرسة الأثر عدم الموازنة بين الأمور، فقد يجعل المكروه حرامًا، والمباح مكروهًا، والنافلة فريضة، ويضرب مثالاً على ذلك مسألة مصافحة بعض الرؤساء والأمراء لملكة إنجلترا، فكان الرجل منهم يرى أنها من الكبائر، مستشهدا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له".

ومع أن الشيخ الغزالي لا يستحب التقاليد الغربية في مصافحة الأجنبيات لسبب أو لغيره، فإنه يرى أن المصافحة في موقف يغلب على الإنسان لا يعد جرمًا، فهي في موضع الريبة من الصغائر، كما يرد بأن المس المقصود منه الاتصال الجنسي مستشهدًا بقول الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها" (الأحزاب: 39)، وبقوله تعالى في كفارة الظهار: " فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا". (المجادلة: 4).

وهو – أيضًا - يأخذ على بعض الطلاب الذين ينتسبون لمدرسة النص سوء فهم حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تصحب الملائكة رفقة فيها جرس"، ويرى (أن المقصود جرس يتخذ للعبادة كما تفعل النصارى، فأما جرس الهاتف، أو جرس المنبه، أو جرس محطات السكك الحديدية، أو جرس البيوت الذي يستخدم في الاستئذان، فلا حرج عليه..).

وعن مدرسة الموازنة والترجيح التي نشأت في القرن السابع على يد الإمام ابن تيميه وتلاميذه، فيرجع الشيخ الأسباب التي دعت إلى ظهور هذه المدرسة، بعد أن ظل الانفصال بين مدرستي الرأي والأثر باقيًا لمدة طويلة إلى:

- انتشار مراجع السنة، مما ساعد على الاطلاع على مجموع الآثار المروية في المسائل، مما يؤدي إلى الوقوف على رأي أقرب للصواب .

- امتزاج الحضارة الإسلامية بغيرها، من خلال الفتوحات الإسلامية، والانفتاح على حضارات وشعوب جديدة، مما أثر في عقول علماء المسلمين.

ويوضح الشيخ الغزالي أهم معالم هذه المدرسة:

- أنها مدرسة استوعبت الأخبار المروية، وأفادت من الرأي والأثر معًا، وإن كان انتصارها للأثر أظهر، كما أنها اهتمت بالموازنة والترجيح بين الآراء.

ومؤسس هذه المدرسة – وهو الإمام ابن تيميه - مع كونه حنبلي المذهب، إلا أنه كان صاحب اجتهاد، جعله مستقلا بآراء لم يقل بها أحد من الأئمة الأربعة، كإبطاله الطلاق البدعي.

أما عن المدارس الفقهية المتأخرة فيقسمها الشيخ الغزالي إلى مدرستين، مدرسة تعد امتدادًا لمدرسة الأثر، وأخرى تعد امتدادًا لمدرسة الرأي، غير أن هناك اختلافًا بين كل من المدرستين عن أصيلتها الأولى.

أهم ملامح مدرسة الأثر الحديثة يتجلى في:

- عرض الفقه الإسلامي من الكتاب والسنة مباشرة.

- الإفادة من الجهد العقلي لرجال المذاهب التقليدية والظاهرية.

- الانتفاع من مدرسة الموازنة والترجيح.

- إحياء أسماء كثير من فقهاء الأثر والرأي، كانت أسماؤهم مغمورة، حيث تسعى إلى عرض الفقه من أصوله الأولى.

ومن أبرز أعلامها والكتب التي تمثلها:

- الإمام الصنعاني في كتاب سبل السلام.

- الإمام الشوكاني في كتابه نيل الأوطار.

- الشيخ سيد سابق في كتابه فقه السنة.

- الشيخ صديق خان في مؤلفاته.

- الشيخ الألباني في مؤلفاته ورسائله.

ومع تقدير الشيخ لهم، فهو يرى أنهم يؤخذ منهم ويترك، فهم يخطئون ويصيبون، وانتماؤهم للسنة لا يجعل التسليم بقولهم واجبًا، بل إن بعضهم قد يخالف بعضًا في كثير من الأحكام.

وأما مدرسة الرأي الحديثة فتظهر الملامح المنهجية لها فيما يلي:

- قيامها على النقل، مع ترويجها للعقل، وجعل العقل أصلاً للنقل.

- تقديم الكتاب على السنة، وجعل إيماءات الكتاب أولى بالأخذ من أحاديث الآحاد.

- رفض النسخ في القرآن، أو القول بأن هناك نصوصًا من القرآن انتهى أمدها.

- إنكار التقليد المذهبي مع احترام علم الأئمة، وجعل المذاهب الفقهية فكرًا إسلاميًا ينتفع به، ولكنه غير ملزم.

- العمل على أن يسود الإسلام العالم بعقائده وقيمه الأساسية، ولا تلقي بالاً إلى مقالات الفرق والمذاهب القديمة أو الحديثة.

ومن أبرز أعلام هذه المدرسة:

- الشيخ محمد عبده، وهو يعتبر المؤسس لها.

- الشيخ رشيد رضا.

- الشيخ محمود شلتوت.

- الشيخ محمد عبد الله دراز.

- الشيخ محمد البهي.

- الشيخ محمد المدني.

- الشيخ محمد الخضري.

- الشيخ أبو زهرة.

وقد كانت هذه المدرسة تسعى إلى قيادة الأزهر، ومنه إلى قيادة العالم، لكن التيارات العاصفة كانت أقوى منها، فأوقفتها .

ومع تقدير الشيخ الغزالي لهذه المدرسة، إلا أنه يأخذ عليها بعض الآراء، فهو يرفض تفسير الشيخ محمد عبده للملائكة، كما يرفض رأي الشيخ أبو زهرة في الرجم، ويرى أن في فتاوى الشيخ شلتوت ما يحتاج إلى إعادة نظر ومراجعة، ولكن هذه المآخذ لا تقلل من شأن هذه المدرسة العظيمة.

ثم يعقب الشيخ الغزالي أن آراء الرجال لا عصمة لها، وإنما العصمة لمصادر الشريعة، فالتفكير البشري يخطئ ويصيب، و خطأ البعض في الاجتهاد لا يقلل من شأنهم، فهذه طبيعة بشرية.

موقع الشيخ الغزالي من المدارس الفقهية

ويعتبر بعض العلماء - كالدكتور محمد عمارة - الشيخ الغزالي من مدرسة الرأي الحديثة التي يرأسها الإمام محمد عبده، وإن كان يأخذ هو عليها بعض المآخذ، فإن الاختلاف داخل المذهب الواحد والمدرسة الواحدة أمر مقرر، ومشتهر بين الدارسين للمذاهب الفقهية . كما أن الشيخ متأثر بالمذهب الحنفي، وهو يأخذ أحيانا برأي الظاهرية.

نظرة الغزالي للدراسات الفقهية:

يرى الشيخ الغزالي أن التأليف الفقهي اهتم اهتماما بالغا بالعبادات، وبعض جوانب المعاملات، بينما ما يزال ضامرا في كثير من الجوانب السياسية والاقتصادية والإعلامية وما يتعلق بحقوق الإنسان والعمال وغيرها.

فقد اهتم العلماء بالتأليف الفقهي، فظهرت الكتابات الفقهية المتنوعة والمتعددة، فاهتمام الأمة بالتأليف الفقهي لا يوازيه اهتمام أمة أخرى بالفقه والتشريع فيها.

فـ(الفقه الإسلامي يمثل على الأقل 50% من المكتبة الإسلامية، و لا توجد حضارة عالمية استبحر فيها الفقه كما استبحر في حضارتنا).

كما يقرر الشيخ الغزالي ضرورة احترام النصوص الشرعية الواردة في العبادات والمعاملات، وأنه من حسن الفقه أن تعرف المحور الذي تدور عليه التعليمات الدينية في كلا المجالين، ويستشهد بقول الشيخ حسن البنا - رحمه الله -: "الأصل في العبادات التعبد دون الالتفات إلى المعاني، وفي العادات الالتفات إلى الأسرار والحكم والمقاصد".

ويوضح أنه وإن كان المطلوب منا معرفة الله وحبه بفطرتنا السلمية، ولكن الترجمة لهذا الحق ليست حقًّا لنا، فهي حق لله وحده، فهو الذي يعرفنا بذاته، ويرشدنا إلى كيفية عبادته.

أما في مجال المعاملات، فقد كان دور الإسلام فيها إرشاديًّا لما فيه مصلحة الناس، فوضع الضوابط الحاكمة للسلوك السوي، بما يضمن تحقيق درء المفسدة وجلب المصلحة، ففي مجال الزواج حرم الزواج بالمحارم، وبنى الأسرة على الاختيار لا الإجبار، وأوضح آداب المعاشرة الزوجية.

وفي مجال المعاملات التجارية أمر بصيانتها من الغش والقسر والربا والاحتكار وغير ذلك من تطلعات الأثرة والجشع.

ومن وجهة نظرة الشيخ الغزالي، فإن الجهود التي بذلت في التأليف الفقهي كان من الواجب استثمارها في مجالات أخرى كانت الأمة في حاجة إليها.

بل يرى أن القول بوقف الاجتهاد كان يجب أن يكون في التأليف الفقهي الخاص بالعبادات، فإنه قد جنح إلى التفريع والاهتمام بالجانب النظري على حساب العمل، "وهذا المسلك ضرب من البطالة المقنعة، وقد شاع في عصور شتى اعتبار الكلام في الإسلام هو العمل الأول والأخير به".

وإن كان الشيخ يدعو إلى وقف نزيف الكتابة في العبادات، لكنه يرى أن هناك بعض الجوانب تحتاج إلى اجتهاد معاصر، وينظر في ذلك إلى حاجة الناس، كمثل وقت الرمي في الحج، أو اعتبار جدة ميقات للمسافرين بالطائرة، وغيرها من الأمور التي تحتاج إلى إعادة نظر. لهذا قامت في العصر الحديث بعض المحاولات من التأليف التيسيري في العبادات وغيرها، وخاصة أن لغة العصر قد اختلفت عن التي كتب الفقهاء قديما بها، ولا يعني ذلك البعد السحيق بين اللغتين، بقدر ما أن هناك كلمات ومترادفات سادت في عصرهم، وليس لها استعمال في عصرنا، لذلك من الواجب أن يقوم تأليف تيسيري، حتى يعرف الناس أمور دينهم.

وقد انتشرت مثل هذه المحاولات حتى أصبحنا في حاجة إلى الانتقاء منها وترشيدها، ثم النظر إلى الجوانب التي نفتقر إليها في التراث الفقهي.

ولعل مما تسبب في هذا الإسراف في التأليف الفقهي الخاص بالعبادات، غياب العمل المؤسسي قديما وحديثا، فقد كان التأليف وما يزال – إلى حد بعيد – يأخذ النظرة الفردية لا الجماعية ولا المؤسسية.

وهناك من المجامع الفقهية والمؤسسات التي تعنى بالتأليف الفقهي ما يمكن أن تقوم بدور التنسيق، بحيث تخرج لنا مؤلفات تجمع بين الأصالة والمعاصرة، كما أنها تحدد ما تحتاجه الأمة في التأليف، ويكون بإشراف متخصصين في المجالات التي سيؤلف فيها.

ويمكن لكل مؤسسة أن تعتني بالفرع العلمي الذي تهتم به، فتقوم مؤسسة بالتأليف في مجال الفقه، وأخرى في الحديث، وثالثة في التفسير وعلوم القرآن، ورابعة في العقيدة وغيرها من فروع العلم الشرعي.

وأن تكون هناك لجنة عليا تتابع سير التأليف حسب منهج موضوع ومدروس.

جوانب التأليف التي تنقص الأمة


ألف الغزالى الكثير من الكتب دفاعا عن السنة

وقد طرح الشيخ الغزالي – رحمه الله - جوانب عديدة، رأى أن الأمة تخلفت فيها، وأن أمما غيرنا سبقتنا في هذا المضمار، ومن ذلك السياسة المالية.

فـ "لا شك أن في الأمة الإسلامية تخلفًا في سياسة الحكم وسياسة المال، فمعروف أن فتنة أمتنا المال كما جاء في الحديث: "فتنة أمتي المال".. والفتنة تجيء من مصادر الكسب ومن طرق الإنفاق، فلا مصادر الكسب وضعنا لها مصافي تحجب الحرام وتتيح مرور الحلال، ولا طرق الإنفاق وضعنا عليها رقابة قانونية تمنع التبذير والسفه في إراقة المال في غير موضعه، وربما سبقتنا الآن أمم كثيرة في هذا، فوضعت سياسات دقيقة في الإنفاق وفي الكسب، تظهر في الموازنات العامة التي تضعها الدول، فالدول تفرض على الحكومات ألا يؤخذ من الشعب قرش واحد إلا بقانون أو إلا بتشريع واضح يرى أن الدولة محتاجة، ولا ينفق شيء إلا بالدقة نفسها، وإعلان الحرب كذلك لا يترك لنزوات فرد يخاصم أو يسالم كيف يشاء، وإنما الأمة التي تدفع من دمها ثمن الحروب وتضحيات القتال هي التي تبت في مثل هذه الأمور..".

والإسلام منذ تشريعاته الأولى، وضع ضوابط عامة للكسب والإنفاق، وحاول أن يبث في نفس المسلم أن يكون حريصا في كسبه وإنفاقه، يراقب الله تعالى فيه، كما جاء في الحديث :"لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع، عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله، من أين اكتسبه، وفيم أنفقه، وعن علمه، ماذا عمل فيه".

كما حرم الإسلام الإسراف والتبذير في غير آية وحديث مما ورد عن الله تعالى، وعن رسوله صلى الله عليه وسلم.

ولكن الذي يشير إليه الشيخ الغزالي، هو وضع قوانين لما استُحدِث في عصرنا من أمور لم تكن موجودة، فالفقه جاء بالضوابط العامة، وترك للناس أن ينظروا ما يناسب عصرهم، حسب هذه الضوابط العامة التي وضعت لهم.

ومن الجوانب التي يرى الشيخ الغزالي أن التأليف فيها لم يأخذ حظه الواجب، الفقه الجنائي، وخاصة ما يتعلق بالتعزيرات، فإن الحدود الشرعية واضحة لا لبس فيها، فقد أوضحها الشارع في وجوبها، وشروطها، وكيفية تطبيقها، أما الأمور التي لم يرد فيها حد، وما يدخل في باب التعزير الشرعي، فإن هناك ضمورا في التأليف فيه، فهناك على سبيل المثال نحو (25) كبيرة من الكبائر لم توضع لها عقوبات، نحن لم نضع عقوبات للتعامل بالربا أو للغصب، أو للفرار من الزحف، أو لأكل مال اليتيم، أو للغش، أو لما يقع من مخالفات كثيرة.

هذا الأمر في غاية الأهمية والحقيقة، فإن تحديد التعزيرات في الكبائر والمخالفات التي لم يرد فيها عقوبة دنيوية، كان أرفع للخلاف، وأبعد عن التلاعب، والتشريع في دين الله تعالى بالهوى، أو حسب ما يملى على العلماء من رغبات السادة الحكام .

كما أن في تحديد هذه العقوبات يجعل الشرع واضحا في تطبيقه، فيكون أيسر في الحكم على من يرتكب هذه المخالفات، و يحمي المجتمع من الوقوع في مثل هذه الرذائل.

كما يرى الشيخ الغزالي أن التأليف الفقهي في أحكام الأسرة مقصورا على آراء بعض الفقهاء الذين اشتهروا، دون النظر إلى غيرهم، فيقول : " وجدنا أن الفقه الإسلامي – حتى في ميدان الأسرة قد احتبس في حدود المذاهب الأربعة، حتى جاء ابن تيميه واستطاع أن يصنع عملاً هائلاً عندما رفض طلاق البدعة ودخل بهذا مدخلاً كريمًا في المحافظة على الأسرة الإسلامية، وإن كان بعضهم يرفض كلامه في هذا الموضوع، لكن انفتاح باب الاجتهاد أمام الرجل جعله يضع ضوابط للأسرة الإسلامية، و هذا شيء حسن " .

كما أن هناك مشكلات جدت في المجال الأسري، في حاجة إلى نظر وتدقيق، وبحث وتأليف، فقد ظهرت أنواع كثيرة من الزواج، كما ظهرت عادات اجتماعية في الطلاق كالاحتفال بالطلاق مثلا، وغيرها من الأمور التي تجد يوما بعد يوم، وهي بحاجة إلى التأليف والاجتهاد الجماعي، مما يجعل حركة التأليف الفقهي مسايرة لمستجدات الحياة.

ومن الجوانب التي يرى الشيخ الغزالي تقصير التأليف فيها قوانين العمل والعمال فيرى أنها لا تزال صفرًا عندنا ونستوردها الآن من الخارج، وهذا لا يجوز.

أسباب ضمور التأليف الفقهي

يوضح الشيخ الغزالي الأسباب التي أدت إلى ضمور التأليف الفقهي، فيرجعها إلى الحالة الاجتماعية للأمة التي تعيش فيها من الانحلال الأخلاقي، و طغيان المادة والجري وراءها، فهذا الواقع يجعل الأمة في حالة تدهور في جميع نواحي الحياة فيها، فصُرف الناس إلى الفقه التشريعي، وتناسوا الفقه الاجتماعي الذي يعد صلب الحياة، فإن "الإنسان يلمح بأن الآية التي استدل بها الفقهاء على حجية القياس – وهي قوله تعالى: "فاعتبروا يا أولي الأبصار" (الحشر:2)، بعد أن تكلم عن الحال التي كان عليها بنو النضير – وكيف أخذهم الله بسبب واقع اجتماعي معين – وأن كل مَن يصيبه هذا الواقع سينتهي إلى النهاية نفسها، وهي أقرب للفقه الاجتماعي منها إلى الفقه التشريعي، ونلمح بأن هذا لون من الفقه للسنن الاجتماعية – عمليًّا - صرف إلى الفقه التشريعي وبقيت القضية الاجتماعية أو الفقه الاجتماعي أو السنن المتعلقة بقيام الأمم وسقوط وقضايا المال بقيت قضايا ضامرة".

والسبب الثاني بعد انصراف الناس عن الفقه الاجتماعي هو انفصال القرآن عن السلطان، أو بتعبير حديث انفصال القيادة الفكرية عن القيادة السياسية، بل كان هناك انفصال بين القيادة الثقافية نفسها، فالضمور سببه الخلاف بين القيادة الفكرية والقيادة السياسية إذا صح التعبير.

لذلك يجب أن نعقد صلحًا بين الاتجاهين، بين الاتجاه الثقافي والاتجاه السياسي، ويمكن أن نعتبر أن التخلف يمكن أن يكرس ويستمر طالما أن هذا الافتراق حاصل بين القيادة الفكرية و القيادة السياسية .

و هناك أيضا انفصال بين الفقه التربوي الذي يعني بتربية الأفراد والمجتمع، وبين الفقه التشريعي، فرغم وجود عشرات من الطرق الصوفية، والتي تمثل مساحة غير قليلة في المجتمع المسلم، وإلا أنها لا تأخذ من الفقه التشريعي ما يضبط حركتها، بل يمكن الاستغناء عن هذه الطرق، شريطة أن يكون هناك اهتمام بالروح، وقد ضرب الشيخ نماذج ناجحة من العلماء الذين جمعوا بين الفقه التربوي والفقه التشريعي، فقال: "عندما تتأمل تراث ابن تيميه أو ابن القيم تلميذه، فإنك ترى أن ابن تيميه رصد جزأين من فتاواه تقريبًا في القلوب والحديث عن الله وخشيته والعمل له والإخلاص والإحسان، وما إلى ذلك من المعاني التي خاض فيها المتصوفة بدون وعي فقهي.

وجاء تلميذه ابن القيم وفصَّل هذا في كتابه "طريق الهجرتين" وكتابه "مدارج السالكين".. وكتاب "عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين" على ما أظن – وكتب كثيرة.. وكان أكثر من أستاذه توسعًا في هذه النواحي.

هذه المعاني معدومة الآن، ونجد من يعلم حركات الصلاة من ركوع وسجود ولا يحسن تعليم الخشوع وتقديس الله وسجود القلب مع سجود الجوارح.. وهذا خطأ هائل.." .

والنماذج التي ضربها الشيخ الغزالي لمن جمع بين الفقه التربوي والفقه التشريعي ليست محصورة في شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله، فإن تصنيفهما في الفقه –التربوي والتشريعي – كان منفصلا، فهناك كتب لهما في الفقه التشريع، وكتب في الفقه التربوي، ولعل من المعلوم أن كثيرا من فقهاء المالكية كانوا يبدأون تصانيفهم بالفقه التربوي، كمقدمة للفقه التشريعي.
وما قام به الإمام أبو حامد الغزالي –رحمه الله – في كتابه إحياء علوم الدين، كان –في ظني – النموذج الأول للتصنيف في الفقه التربوي والتشريعي معا، فأنت تقرأ فيه الأحكام الفقهية، بجوار إبراز الجانب التربوي للفقه، وهو ما يظهر الحياة في الفقه، ولذا سماه "إحياء علوم الدين " إشارة إلى أن علوم الدين والشريعة لن تحيا إلا بجوار الفقه التربوي، الذي يجعل لها واقعا في الحياة، وليس مجرد سطور وضعت للقراءة والرياضة الذهنية .

وبهذا التشخيص الدقيق أوضح الشيخ الغزالي رحمه الله الطريق في التصنيف الفقهي، والتحدي الذي يقابل الأمة، وما هي الجوانب التي تنقص الأمة في التأليف، و السبيل لعلاج هذا الضمور .

نتائج التخلف في مجال التأليف الفقهي

ويوضح الشيخ الغزالي نتائج التخلف في التأليف الفقهي، من ضياع مكانة الأمة، وتيه المسلمين في المجتمع، ووقوفهم دون إتمام رسالتهم في الحياة، ويعبر الشيخ الغزالي عن ذلك قائلا:

"لقد جأرت بالشكوى في هذا الكتاب وفي كتب أخرى من تخلفنا الفقهي والعملي في الشئون الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ومن انحسار الفقه الإسلامي داخل حدود ضيقة إن تجاوزت بيوت الماء، فإلى ساحة المسجد، وقد تتدخل في شئون الحارة أو القرية ..أما دواوين السلطة، ومشكلات المال، ومفاصل الحياة الحقيقية للمجتمع والدولة، فإن الفقه لا علاقة له بها..

ونتج عن هذا أن الاستبداد السياسي عربد دون حذر، وأن الخلل الاقتصادي شاع دون علاج.

وأن الأعصاب التي تشد الكيان الإسلامي استرخت ثم انقطعت، وتاه المسلمون بعضهم عن بعض.

وأن الشخصية المعنوية للأمة الإسلامية ولرسالتها الكبرى تلاشت في طول الدنيا وعرضها".

معالم المنهج الفقهي للشيخ الغزالي

هناك معالم واضحة لمنهج الغزالي الفقهي، فالشيخ الغزالي كان يرى أن القرآن الكريم هو المصدر الأول للأحكام، فهو دستور الأمة الأول، والسنة النبوية هي شارحة هذا الدستور، والرسول صلى الله عليه وسلم هو أقدر الناس على فهم كلام الله تعالى، وبيان مراده لخلقه، وهو دائم التأكيد على أنه إنه لا فقه بغير سنة ولا سنة بغير فقه، وقوام الإسلام بركنيه كليهما من كتاب وسنة.

كما كان الشيخ يعتبر المصلحة من المرتكزات الفقهية التي يستند عليها في الحكم على كثير من الأمور الشرعية، أو ترجيح رأي من الآراء الفقهية، فيقول: "إن المصلحة لا بد من رعايتها، ومعنى النص الشرعي أن المصلحة قد ارتبطت به أبدًا، فهو دليلها وضمانها، وأي تعطيل له فهو خدش للمصلحة أو تطويح لها.

والفقه الصحيح أن نتعرف على المصلحة حيث لا نص، وأن نجتهد في فهمها، ثم في تحقيقها.

والمساحات التي يمكن إيجاد أحكام لها على أساس المصلحة المرسلة كثيرة في العقوبات التعزيرية، وفي أسلوب الحكم. وفي مجال المصالح المرسلة يستطيع الساسة المسلمون أن يصنعوا الكثير لأمتهم، على أن لا يصطدموا بنص قائم فإن هذه النصوص معاقد المصلحة وإن عميت عن ذلك أنظار.

وعلى ضوء هذا يفهم ما ذهب إليه الشيخ من أن الجهاد المطلوب هو جهاد دفع، لا جهاد طلب، وأنه يقبل الديمقراطية ويفضلها على الاستبداد السياسي وغير ذلك مما رجحه على أساس المصلحة.

ويقول الدكتور القرضاوي:

ومن مرتكزات فقه الشيخ الغزالي: أنه يأخذ بالمصالح المرسلة، ويجعل لها اعتبارًا، بشروطها المعتبرة شرعًا، وأولها: ألا تعارض نصًا صحيحًا صريحًا.

وقد كتب الشيخ بحثًا جيدًا تحت عنوان: (بين النص والمصلحة) في كتاب: (دستور الوحدة الثقافية) رد فيه على الذين يأخذون بالمصالح المزعومة وإن عارضت النصوص.

كما ربط الشيخ الغزالي الأحكام بعللها، فكان ينظر إلى مآلات الأفعال والأحكام، يقول الدكتور علي الصوا:

ومن منهجه النظر في مآلات الأفعال والأحكام الضابطة لها، لأن الشريعة جاءت لتحقيق مصالح ضرورية وتحسينية، ولا يجوز أن تتناقض فروع الشريعة مع كلياتها لأن المناقضة باطلة، لذلك نجده يؤكد على أن حفظ الدين في الداخل والخارج مقصود للشارع، فما ساعد على حفظه من خلال التربية والتعليم، والدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كان مطلوبًا ؛ وما أدى من الأعمال والأقوال والأحكام إلى خدش الدين والإساءة إليه وتنفير الناس عنه، فهو ممنوع، حفاظًا على اتساق أحكام الشريعة في تحقيق مقاصدها في الخلق.

الفقه في خدمة الدعوة

ومن منطلقات الشيخ الغزالي في الجانب الفقهي: أن الفقه ينبغي أن يكون في خدمة الدعوة إلى الإسلام، وألا تستخدم الفتاوى الجزئية للتنفير من قبول الإسلام من غير المسلمين، أو من التوبة والهداية للعصاة والشاردين من المسلمين.

ومن هنا يرفض الشيخ ما رفض شيخه الإمام حسن البنا من التقليد الأعمى والمطلق للأئمة السابقين، لا سيما من أهل العلم، بل عليهم أن يستكملوا نقصهم العلمي، وأدواتهم الثقافية، حتى يبلغوا الدرجة التي يتمكنوا فيها من النظر والترجيح بين الأقوال، وأن يجتهدوا لزمنهم وبيئتهم كما اجتهد الأولون لأزمانهم وبيئاتهم.

ولا بد للفقيه المعاصر أن ينظر في الميراث العلمي للعلماء المتقدمين في أعصار الإسلام المختلفة، نظرة جديدة، في ضوء مقررات الكتاب والسنة، ومقاصد الإسلام، وكلياته القطعية، فالنصوص معصومة، ولكن أفهام الشراح وأقوالهم في تفسيرها غير معصومة.

ويقول الشيخ الغزالي: إنه يريد أن يكتب بحثًا عنوانه: قال الشارع، وقال الشارح:! يكشف فيه النقاب عن كثير من الأقوال التي ارتضاها الشراح، وهي مخالفة لجوهر الهدي الإلهي، والهدي النبوي، وهو ما جاء به الشارع.

المراجع :

العطاء الفكري للشيخ محمد الغزالي (المعهد العالمي للفكر الإسلامي)

الشيخ الغزالي كما عرفته للشيخ القرضاوي

ومن مؤلفات الشيخ الغزالي:

السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث

دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين

ليس من الإسلام

دفاع عن العقيدة والشريعة

فقه السيرة

نظرات في القرآن

من هنا نعلم

كيف نفهم الإسلام

الإسلام والطاقات المعطلة

دفاع عن العقيدة والشريعة

قذائف الحق

مشكلات في طريق الحياة الإسلامية

مائة سؤال عن الإسلام

جهاد الدعوة بين عجز الداخل وكيد الخارج

ركائز الإيمان بين العقل والقلب

المحاور الخمسة للقرآن الكريم

هذا ديننا

الإسلام وإعلان الأمم المتحدة
----------------------------------
منهجه مع السنة

منهج الغزالي في التعامل مع السنة

مسعود صبري *

ألف الغزالى الكثير من الكتب دفاعا عن السنة

كان الشيخ الغزالي رحمه الله واحدا من أبرز العلماء الذين إذا ذكرت أسماؤهم، ذكرت معهم السنة، ولقد فجّر الشيخ العديد من القضايا التي أثارت عليه حفيظة كثير من الناس، فاتهموه بمخاصمة السنة ومعاداتها، وأنه كان يجنح إلى إرضاء الغرب على حساب تضعيف ما صح من السنة النبوية، ونحن هنا نعرض لمنهج الشيخ في تعامله مع السنة، لنقف على حقيقة منهجه فيها، عارضين ذلك مما كتب هو عن نفسه، وصرح به.

حجية السنة عند الغزالي
كان الشيخ الغزالي – رحمه الله- دائم الربط بين السنة والقرآن الكريم، وأكد على أنها لا تتناقض أو تختلف معه، بل يسيران في ركب واحد، لتحقيق هدف واحد.

فيرى أن السنة تطبيق للقرآن، والمسلم مطالب باحترام السنة، حيث يقول: "القرآن هو قانون الإسلام، والسنة هي تطبيقه، والمسلم مكلف باحترام هذا التطبيق، تكليفه باحترام القانون نفسه".

وهو لذلك دائم الدفاع عنها متى صحت، ويهجم على من ينكرها لهوى في نفسه، ويجعل الاكتفاء بالقرآن دون السنة من البدع المنكرة، التي تهدد الإسلام بالخطر، ويجب التصدي له.

فيقول الغزالي: "المؤسف أن بعض القاصرين – ممن لا سهم له في معرفة الإسلام – أخذ يهجم على السنة بحمق، ويردها جملة وتفصيلاً، وقد يسرع إلى تكذيب حديث، لا لشيء، إلا لأنه لم يرقه، أو لم يفقهه.

وهكذا فإن الشيخ الغزالي – رحمه الله – قد ساوى في الحجية بين السنة والقرآن، وإن جعل السنة المصدر الثاني.

ويقرر الشيخ الغزالي حجية السنة، ويجعل أنه "ما يجوز لمؤمن أن يستبيح لنفسه التجاوز عن أمر للرسول فيه حكم: (من يطع الرسول فقد أطاع الله) بل يصرح الغزالي بأن "إنكار المتواتر من السنن العملية خروج عن الإسلام، وإنكار المروي من سنن الآحاد لمحض الهوى عصيان.. وإن الولع بالتكذيب لا إنصاف فيه ولا رشد.

كما اتُّهم الشيخ الغزالي – رحمه الله – بأنه لم يأبه بالأسانيد، وأنه كان يرد الحديث لفكرة عقلية، ولكن موقف الغزالي – رحمه الله – من الأسانيد هو أبرز ما يدل على دفاعه عن السنة، فهو يهاجم أولئك الذين يرون أن "السلف اهتموا بالأسانيد، وحبسوا نشاطهم في وزن رجالها، ولم يهتموا بالمتون، أو يصرفوا جهدًا مذكورًا في تمحيصها".

ويصرح بأن "هذا خطأ، فإن الاهتمام بالسند لم يقصد لذاته، وإنما قصد منه الحكم على المتن نفسه"، وفي ذات الوقت، لا يغفل الغزالي أن صحة الحديث تأتي من النظر إلى السند والمتن معًا، فـ "صحة الحديث لا تجيء من عدالة رواته فحسب، بل تجيء أيضًا من انسجامه مع ما ثبت يقينًا من حقائق الدين الأخرى". وأن اتهام حديث ما بالبطلان مع وجود سند صحيح له ينبغي أن يخضع لقواعد فنية محترفة، وهو ما التزمه الأئمة الأولون.

وذكر الشيخ الغزالي حديث: "الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السام" وعدم قبول بعض الناس له لمخالفته للواقع، مع كونه في صحيح البخاري، فيرد الشيخ بأن المقصود بـ "من كل داء"، هو بعض أمراض البرد، ويقول بأن القرآن وصف ريح عاد بأنها: (تدمر كل شيء بأمر ربها) وليس المقصود كل شيء في الدنيا، ولكن ما عمرت به قبيلة عاد.

ويرى الغزالي – رحمه الله – أنه لا مانع من مناقشة بعض الأحاديث إذا كانت المناقشة قائمة على ضوابط علمية، ليتضح ما صح سنده مما وهن "بيد أن الطعن – هكذا عشوائيا – في الأسانيد والمتون ليس القصد منه إهدار حديث بعينه، بل إهدار السنة كلها.

يأخذ ويرد ولا ينكر
يقول الشيخ الغزالي: "أجمع المسلمون على أن الكتاب والسنة دعائم التشريع الأولى، ولم يقل مسلم في المستقدمين أو المستأخرين: إن سنة محمد صلى الله عليه وسلم تهمل، وإنها ليست مصدرًا للتشريع.

وقد تتفاوت الأنظار في تقدير المرويات، والحكم بقبولها أو رفضها، ولكن لا يصل هذا إلى ترك السنة.

وعندما يترك فقيه حديثًا من أحاديث الآحاد، فهو لا يُتّهم بترك السنة، وغاية ما يوصف به أنه شديد التحري في الإثبات. (مشكلات في طريق الحياة الإسلامية، ص 105).

ومن خلال ذلك يظهر أن الشيخ الغزالي رحمه الله لم يكن محاربا للسنة، بل كان من المدافعين عنها، وهو يحترم سند الحديث؛ لأن الحكم على السند يساعد على معرفة صحة المتن، ويؤكد أن في خلع السنة خلع للقرآن؛ لأنه لا يصح التشريع بالقرآن وحده، بل لا بد من السنة مع القرآن.

ويرى الشيخ الغزالي أن الاجتهاد في السنة لا يعني الخروج منها، ولا الطعن فيها، بل هو من الخدمات التي تقدم للسنة، فلا مانع من مناقشة بعض الأحاديث، حتى تتبين صحتها من ضعفها، بالميزان الذي وضعه المحدثون من مناقشة السند والمتن معا.

وهذا المسلك الذي سلكه الشيخ الغزالي – رحمه الله - لم يكن هو مبتدعا له، بل ناقش كثير من الأئمة الفقهاء والأعلام عددا من الأحاديث الواردة في كتب الصحاح، أو التي حكم عليها بالصحة في غير كتب الصحاح، بل إن الفقهاء في كثير من المسائل وجد الاختلاف بينهم، والحق عند الله وحده، وهذه سنة كونية، فلم يخل عصر إلا واختلف فيه الفقهاء في كثير من المسائل الفقهية.

فما دام الأمر ليس مقطوعا به، ولا مجمعا عليه، فلا مانع من مناقشته؛ لأن هذه المناقشة قد تؤدي إلى طمأنة المرء للحكم السابق، أو مراجعة هذا الحكم ومناقشته، حتى يتبين الحق، ولكن مناقشة بعض الأحاديث والاختلاف في الحكم عليها شيء، وإنكار السنة والنيل منها شيء آخر، ولا يستويان.

العلاقة بين السنة والقرآن
في هذا الموضوع أراد الشيخ الغزالي أن يعيد الأمور لنصابها، وأن يرتب الأولويات التي كان معمولاً بها منذ نشأة الإسلام، وأن يوضح طبيعة العلاقة بين المصدرين الرئيسيين من مصادر التشريع في الإسلام.

حيث انشغل كثيرون بالعلم بالسنة عن القرآن. وربما يرجع ذلك إلى الحملة على السنة النبوية والتشكيك فيها، وهو ما يمثل ارتباط الأمة بسنة نبيها صلى الله عليه وسلم، ولكن هذا لا يدفعنا أن نقدم على كتاب الله شيئًا.

فقد لاحظ الشيخ الغزالي أن كثيرًا من الناس في ميدان العلم إذا أرادوا معرفة حكم أو تدليلاً عليه، فإنهم يهرعون إلى السنة النبوية، وهذا لا مانع منه إذا قدم الكتاب على السنة.

بل يشير الشيخ الغزالي – رحمه الله – إلى أن البعض يرجح بعض دلالات السنة على بعض دلالات القرآن.

لذلك فهو يضع بعض الأسس التي تبين العلاقة بين السنة والقرآن، أولها تقديم القرآن على السنة، فالقرآن بمثابة جذع الشجرة، والفروع والثمار تمثل المصادر الأخرى.
فكتاب الله "هو قطب الإسلام، ومنبع شرائعه، ويتضمن أصول الإسلام، ومنه تؤخذ الصور العامة لما يرضاه الله لعباده في شئون حياتهم، ومناحي تفكيرهم، ومعالم سلوكهم".

ويرى الشيخ الغزالي أن "المؤمن بالقرآن الكريم، يستحيل أن يرجح على دلالته دلالة، أو أن يشرك مع توجيهه هديًا، ذلك أن القرآن يعلو ولا يعلى عليه، وأنه يحكم على سائر الأدلة الأخرى، ولا يحكم شيء منها عليه".

ويرفض الغزالي القول بوجود تناقض بين القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، فهما يخرجان من مشكاة واحدة، فكيف يكونان متناقضين؟! وإن حدث ووجد تعارض في مصادر التشريع الأخرى وما جاء به القرآن فهو دخيل على دين الله، وطبيعة السنة والقياس والاصطلاح.

ويجعل الشيخ الغزالي مهمة السنة توضيح ما جاء في القرآن، وإكمال الأحكام في الصور الجزئية الكثيرة التي ليس من شأن الدستور العام أن يتعرض لها.

ويضرب الشيخ الغزالي على ذلك بمثل البيع، فقد ذكره القرآن الكريم في آيات تعد على أصابع اليد.

أما السنة النبوية فقد حوت بين دفتيها مئات من الأحاديث التي تفصل وتشعب، فالسنة هنا قامت مقام التوضيح والتفسير والبيان للأحكام الجزئية في البيع، والقرآن قد تحدث عنه بنوع من التفصيل والإجمال، وهذه هي إحدى وظائف السنة النبوية بالنسبة للقرآن الكريم.

ويلفت الشيخ الغزالي النظر إلى أمر مهم، وهو أن فهم السنة لا بد فيه من فهم الملابسات التي أحاطت بها، فإن أخذ الحديث مبتورًا عن الظروف التي قيل فيها، وعمن قيل له، وعن المكان الذي قيل فيه، وإذا عرفت هذه الملابسات، وظهرت هذه السياقات والظروف، لم نجد ساعتها تعارضًا أو توهم تعارض بين الكتاب والسنة.

وإتيان السنة في المرتبة التالية للقرآن فهو من باب الإجمال، فقد تكون السنة في مرتبة القرآن في بعض الأحايين، كما أن تقديم القرآن على السنة، لأنه كلام الله أولا، ثم لأنه قطعي الثبوت كله، والسنة منها ما هو قطعي الثبوت، ومنها ما هو ظني، فإن اتحدت السنة مع القرآن في الثبوت والدلالة، فلا سببا يجعل السنة أقل مرتبة من القرآن في الأخذ بالأحكام.

وظيفة السنة عند الغزالي
ويرى الشيخ الغزالي أن للسنة وظائف مع القرآن، أهمها تقرير الغايات القرآنية، بمعنى تقرير المعنى نفسه، أي لا يخرج معنى الحديث الشريف عما جاء بالقرآن الكريم، مثلاً، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت" فإن هذا المعنى لا يخرج عن قوله تعالى: "ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها، وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم".

أو أن تكون السنة تقرير معنى آخر يدور في فك المعنى الأول، ومثال ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم: "نهى أن يشرب في آنية الذهب والفضة وأن يؤكل فيها، ونهى عن لبس الحرير وأن يجلس عليه. فإن هذا الحكم الذي جاءت به السنة مشتق من تحريم القرآن للترف، واعتباره المترفين أعداء كل إصلاح وعوامل للهدم في كل أمة، "وما أرسلناك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون".

و قد تكون وظيفة السنة تخصيص أحكاما عامة في القرآن، فقد جاء القرآن بميراث الابن، فخصصت السنة ذلك الحكم، وبينت أن الابن القاتل لا يرث، وحرم القرآن الميتة، وخصصت السنة هذا الحكم، وأباحت السمك والجراد، وكذلك الحكم في الدم، فحرمه القرآن، وأباحت السنة منه الكبد والطحال.

كما جاءت السنة لتيسير بعض العزائم، فقد أمر الكتاب بغسل القدمين وتنظيف الرجلين، وجعل ذلك ركنًا من أركان الوضوء، وجاءت السنة مرخصة في المسح على الخفين أو الجوربين، وهذا من باب الرخصة.

بطلان نسخ القرآن
والمقصود بالنسخ هو القول بتعطيل العمل بآيات من القرآن الكريم، واعتبارها مجرد ذكرى يتعبد بتلاوتها فحسب، مع إبطال ما جاءت به من الأحكام الشرعية.

وهو ما رفضه الغزالي بشدة ووصفه بقوله: "هذا باطل، وليس في القرآن أبدًا آية يمكن أن يقال: إنها عطلت عن العمل، وحكم عليها بالموت.. هذا باطل.. كل آية يمكن أن تعمل، لكن الحكيم هو الذي يعرف الظروف التي يمكن أن تعمل فيها الآية، وبذلك توزع آيات القرآن على أحوال البشر بالحكمة والموعظة الحسنة".

بل يتعجب الشيخ الغزالي من المسلمين حين يقولون بالناسخ والمنسوخ، على أساس أن الناسخ الأخير أبطل ما صدر قبله من أحكام، وهم يلجئون إلى هذا الفهم إعمالاً للنص الأخير، ودفاعًا لما يتوهم من تناقص بين ظواهر الآيات.

و يصرح الشيخ أن التناقض بين الآيات في الأحكام تناقض لا أساس له من الصحة، وأن التشريعات النازلة في أمر ما، مرتبة ترتيبًا دقيقًا بحيث تنفرد كل آية بالعمل في المجال المهيأ لها، فإذا ذهب هذا المجال وجاء غيره تلقفته آية أخرى بتوجيه يناسبه وهكذا، فهل هذا التدرج في التشريع يسمى نسخًا؟.

ومع ذلك قد قبل الشيخ الغزالي النسخ إذا كان يقصد به أنه "تفصيل بعد إجمال، أو تقييد بعد إطلاق، أو تخصيص بعد تعميم، بيد أن ذلك شيء غير الزعم بأن هناك آيات بطل حكمها، أو وقف تنفيذها..".

ويرى أن القائلين بالنسخ بعيدون عن التفسير الموضوعي للقرآن الكريم، سواء كان هذا التفسير يتبع قضية واحدة في طول القرآن وعرضه، أو كان استكشافًا للوَحْدة التي تشمل أجزاء السورة، والتي تجعل آياتها معالم لصورة بينة التقسيم، مُتَعانِقة المعاني والأهداف، ولا يعد من النسخ التدرج في التشريع، كما الشأن في الخمر والربا، فليس في القرآن آية كانت تقول بحلهما، ثم جاءت آيات أخرى تحرمهما.

أما التدرج في الكشف عن حقيقة حكمٍ ما فإنه يبدأ تلويحًا يفهمه الأذكياء، ثم تزداد الإبانة بما يكاد يوحي بالحكم، ثم يجيء الحكم حاسمًا بالمعنى المراد، وقد تم تحريم الربا والخمر بهذا الأسلوب المتأني، وليس في القرآن نص بإباحة الخمر أو الربا !.

وفي آيتي الأنفال، الأولى التي ترى أن قتال المسلم أمام عشر من المشركين، ثم خفف الحكم ليكون المسلم مطالب بأن يقاتل اثنين، يرى الشيخ أنه ليس هناك نسخ، فالرخصة تستخدم في حينها، والعزيمة باقية.

ويرد الشيخ الغزالي على الأدلة التي قال بها مثبتو النسخ، كقوله تعالى: "ما ننسخ من آية أو ننسها "، فهو يرى أن الآية هنا المعجزة، وليس الآية الدالة على التشريع، وأن النظر إلى ما قبلها وما بعدها يؤكد أن معنى الآية هنا المقصود بها المعجزة. ويرفض الغزالي رحمه الله أن يكون هناك قرآن نزل ثم سحب قائلا: "ومن الشائعات التي انطلقت في ميدان النسخ أن هناك قرآنًا أُنزِل ثم سُحب! والمعروف في ديننا أن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر الذي يفيد اليقين، وأن خبر الواحد لا يُثبِت قرآنًا أبدًا، فالزعم بأن قرآنًا كان ثم رُفع كلامٌ لا يُلتفَت إليه" (مائة سؤال عن الإسلام).

ولكن الشيخ الغزالي يقبل أن يكون القرآن ناسخا للسنة النبوية، وهو أمر يتماشى مع ما يراه من علو القرآن على السنة النبوية، ومن سبيل ذلك تحويل القبلة، ومنع تسليم النساء المسلمات لمشركي قريش.

موقف الإمام من أحاديث الآحاد
يرى الشيخ الغزالي أن حديث الآحاد يمكن الأخذ به في الأحكام الشرعية، وقد كان هذا نهج جمهور العلماء، حتى يعتبر الخروج عن هذا الرأي ومخالفته أقرب للشذوذ.

ففي هذه المسألة يقول: "جمهور الأمة يقبل سنة الآحاد، ويعدها دليلاً على الحكم الشرعي الذي نتعبد الله بإقامته" (دستور الوحدة الثقافية ص 29).

فقد وافق الشيخ الغزالي - رحمه الله - جمهور العلماء في الأخذ بحديث الآحاد في الأحكام الشرعية كدليل معتبر.

كما يرى أن الأحكام الشرعية لا تُبنى على اليقين، بل هي مبنية على غلبة الظن، وإلا كانت الأحكام الشرعية كلها قطعية، لا اختلاف فيها، وإن كان الحق عند الله واحدا، فإن الناس متعبدون بما توصل إليه فقهاؤهم وعلماؤهم.

أما عن نظرة الشيخ الغزالي لأحاديث الآحاد في العقيدة فإنه يرى أنه لا يجوز الاحتجاج بأحاديث الآحاد في مسائل العقيدة، لما يترتب على ذلك من الحكم بالإيمان والكفر على الأشخاص، ومسائل العقيدة يجب أن تكون أدلتها متواترة لعظم أمرها، وخطورة شأنها، إلا إذا أحاطت بأخبار الآحاد قرائن أخرى تقويها.

ويرجع رفض الشيخ الغزالي لخبر الآحاد في العقيدة إلي أربعة أمور، أولها أن الخطأ والنسيان طبيعة بشرية، حتى أن بعض الرواة قد نقلوا ألفاظا متفاوتة في حادثة واحدة، ومن أمثلة ذلك حديث البخاري الذي يتحدث عن الإسلام والإيمان والإحسان، ففي بعض الروايات لم يذكر الحج، وذكر الأركان الأربعة، وفي رواية أخري ذكر الأركان عدا الصوم، وفي رواية ثالثة لم يذكر من الأركان إلا الشهادتين، وفي رواية رابعة ذكرت الأركان كلها، وزيد عليها: "وأن تعتمر وتغتسل من الجنابة، وتتم الوضوء".

ويستدل الشيخ الغزالي بقول الحافظ ابن حجر: "فإن قيل: إنه لم يذكر الحج مع أنه من أهم أركان الإسلام، أجيب بأنه ذكره، لكن بعض الرواة، إما ذهل عنه أو نسيه".

والسبب الثاني لرفضه إثبات العقائد بأخبار الآحاد، هو أن الشريعة تثبت الحقوق المادية بشهادة رجلين عدل أو رجل وامرأتين، فكيف نهبط بنصاب الثقة في شئون الدين ؟ وإذا كان خبر العدل لا يثبت عشرة دنانير، فكيف يثبت عقيدة قد تطيح عند منكرها بالرقاب؟.

والسبب الثالث هو أن خبر الآحاد كان سببًا لاختلاف الفقهاء، حيث لم يصل لبعض الأئمة خبر الآحاد، أو وصل إليهم ثم نسوه، فهل هذه القناة المحدودة تصلح مجرى لنقل العقائد الرئيسة التي يهلك من جهلها؟ حيث يجب أن تأخذ العقائد طريقا لا يشوبه جهل أو غفلة، ويشبه الشيخ الغزالي أحاديث الآحاد بالحديث الصحفي مع رئيس الدولة. أما مصادر العقيدة والحقوق العامة، فهي تشبه الدستور الذي تيسرت مواده لكل مطلع.

والسبب الأخير الذي يرفض الشيخ الغزالي من أجله الاحتجاج بخبر الآحاد في مسائل العقيدة أن أخبار الآحاد قد رفض الأئمة بعضها، ويضرب على ذلك، أمثلة، مثل كون المعوذتين ليستا من القرآن، وأن سورة الأحزاب كانت في طول سورة البقرة ثم نسخت، وأن إرضاع الكبار يحرم كرضاع الصغار، وأن الصائم يتناول البرد ولا يفطر.

و يعقب الشيخ قائلا: "أن هذه المرويات حبر على ورق عند رجال الإسلام، مع ورودها في كتب السنة، والحق أن حديث الآحاد دليل محترم ما لم يكن هناك دليل أقوى منه وأولى بالقبول".

ويعرض الشيخ الغزالي لرأي جمهور المحدثين في خبر الآحاد بعد أن يذكر أن المالكية يقدِّمون عليه عمل أهل المدنية والأحناف يقدمون القياس عليه أيضا، ويرون ظاهر القرآن أولى به، نراه يعرض لرأي جمهور المحدثين، وهو يتلخص فيما يلي:

ويرد الغزالي - رحمه الله - على رأى جمهور المحدثين الذين يرفضون الطعن في حجية خبر الآحاد في العقيدة، بحجة أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يرسل الأمراء وهم آحاد، ويبعث بالرسل إلى الملوك وهم كذلك آحاد فينقلون الشرائع والعقائد، كما يقولون أن خبر الآحاد لا يقدم عليه القياس باعتبار القياس فكر بشرى فلا يقدم على الوحي، ولا يقدم عليه عمل أهل المدينة، لأنه لو ثبت أن الرسول قال شيئا فلا يجوز الطعن فيه، فيقول الغزالي، أنه لا يرفض هذا الكلام بالكلية، ففي هذا الكلام جانب من الصواب، فإذا ثبت أن النبي قال، فلا رأي إلا السمع والطاعة! ولكن أنَّى لنا الثبوت؟ إن الريبة في قيمة السند، هل يهب لنا يقينًا أم لا؟ وذلك موضوع النزاع. أما عن رفضهم تقديم القياس على الحديث الضعيف، بحجة أن الحديث الضعيف فيه رائحة النبوة، ويرفض الغزالي ذلك؛ لأن القياس يقوم على تعدية حكم شرعي ثابت في قضية ما إلي مشابهة أخرى كتحريم الإجارة وقت النداء يوم الجمعة قياسًا على تحريم البيع وقت النداء، فأين هوى البشر هنا؟.

وإن كان البعض يشم من الحديث رائحة الوحي، فإن آخرين يشمون منه روائح الوضع، فلا لوم عليهم.

كما يرد الغزالي في احتجاجهم ببعث الرسول صلي الله عليه وسلم الرسل والسفراء وهم آحاد، أن خبر الواحد في هذا المقام له قيمته، لأن الملابسات التي تحيط به، توفر له الضمانات التي تمنع من الخطأ، فإن أخطأ، وجد من يصحح له.

ويقرر الشيخ الغزالي رحمه الله أن العقائد في ديننا، لم تتلقاها الأمة بأسانيد مفردة أو مزدوجة، بل تلقتها بالتواتر المؤسس للثقة المطلقة.

ويلاحظ هنا أن الشيخ الغزالي - رحمه الله - لا يطعن في الحديث ولكنه يطعن في ثبوته، فإذا ثبت الحديث عن الرسول صلي الله عليه وسلم كان الغزالي أول من يلتزم به، ومن هنا فإن الغزالي رحمه الله - طعن في صحة بعض الأحاديث، حيث رأى عدم ثبوتها عن رسول الله صلي الله عليه وسلم، كما فرق بين رفض الحديث، وبين الطعن في صحته أو ثبوته.

كما أن الغزالي عرض رأيه، ولم يجبر أحدًا على الأخذ به. بالإضافة إلى أن الشيخ الغزالي رفض ترك حديث الآحاد لمجرد الهوى، بل هو يخضع رفضه إلي موازين معينة.

مقاييس العمل بالحديث
لم يكن الحكم على الحديث بالصحة كافيا للعمل به عند الشيخ الغزالي، بل هناك مقاييس للعمل بالحديث عند الشيخ الغزالي منها:

فحاول الشيخ الغزالي التركيز علي تقديم القرآن الكريم على السنة النبوية في كثير مما كتبه، وذلك أن الكتاب لم يتطرق إليه شك في صحة ثبوته بخلاف السنة، فهو متواتر الثبوت، أما ما كان من السنة كذلك، فهو كالقرآن، ولا يجوز إنكار شيء ثبت أنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإلا كان خروجا عن الملة.

و لا يعتبر اعتراض الشيخ الغزالي على صحة بعض الأحاديث إنكارا للسنة، وإنما هو يرفض الحكم بالصحة على الحديث، فإذا ثبتت صحة الحديث بوجه القطع، فلا يمكن لأحد أن يعترض عليه أبدا.

وهو يرى أن الانشغال عن السنة من أكبر الأخطاء التي يقع فيه بعض العلماء، فالواجب الانشغال بالقرآن، لأنه مصدر الأحكام الأول، ثم النظر في السنة حتى تفهم هدايات القرآن وتنفذ أحكامه، ولكن من المرفوض في السنة "أن تتناولها الأذهان الكليلة، فترد نهارها ليلاً، كما ينكر أن يقل شغل الأمة بالقرآن الكريم، فتذهل بذلك عن الأصل الركين والعماد المتين.

ولذا كان من الخطأ أن يؤخذ حكم من حديث ما، بل الواجب أن ينظر إلى مجموع الأحاديث في المسألة ثم تعمل هذه الأحاديث في الإطار العام للقرآن الكريم، فـ"إن الحكم الديني لا يؤخذ من حديث مفصول عن غيره، وإنما يضم الحديث إلى الحديث، ثم تقارن الأحاديث المجموعة بما دل عليه القرآن الكريم، ومن زعم أن السنة تقضي على الكتاب، أو تنسخ أحكامه فهو مغرور".

ضوابط فهم الحديث
كان هناك عدد من الضوابط المنهجية التي كان يرعاها الشيخ الغزالي في تعامله مع السنة، منها فهم الحديث جيدا، ومعرفة أسباب وروده، ومحاولة الكشف عن البيئة التي قيل فيها، والملابسات التي داخلته، والمناسبات التي أحاطت به، حتى يوضع الحديث في مكانه، وحتى يفهم جيدا، فلا يساء استعماله، ولا يفهم على الوجه الذي لم يراد له.

ويرى الشيخ الغزالي رحمه الله أن معرفة الكيف والزمان والمكان التي تحيط بالحديث يساعد على فهمه وفقهه، فهذه الظروف تعيين إعانة حاسمة على فقه السنة فقهًا صحيحًا.

كما فرق الشيخ رحمه الله بين فهم الحديث، والحديث ذاته، فيعيب الشيخ الغزالي على من يرون أن مخالفة فهم أحد للحديث لغير ما فهموه هو مخالفة للحديث، ويرى أن قراءة الحديث وحدها دون أن يصحبها شرح يبين معناها قد يؤدي إلى فتنة ولغط.

".. المطابع وضعت في أيدي الجماهير نسخًا كثيرة من الموطأ ومن الصحيحين، وكثيرًا ما يقرأ العامة أحاديث فوق مستواهم، والحديث إن لم يقدمه عالم فقيه، أو إذا لم يصحب بشرح يلقي ضوءًا كاشفًا على معناه، ربما كان مثار فتنة ولغط، وكم من أنصاف متعلمين أساءوا إلى السنة بضعف الفقه وقصور البصر".

ويرى الشيخ الغزالي أن من الضوابط المنهجية للعمل بالحديث تقديم الصحيح على ما هو أصح منه، فالشيخ الغزالي يرى أن الأحاديث الصحيحة نفسها لا يجوز تناولها إلا بعد استكمال المنقول المتواترة من كتاب الله وسنة رسوله، ولا يجوز إعمالها وتدريسها إلا بعد فقه عميق في أصول الإسلام، ومقاصده العامة التي لا ريب فيها.

فنحن إذا قبلنا الحديث الضعيف بعد شهادة القوي له، لا نقبل الرواية الصحيحة إلا إذا وافقها ما هو أصح منها، وعلماء الإسلام يردون رواية الثقة إذا خالف ما هو أوثق منه.

أكد الغزالي على وقف الحديث الصحيح لمصلحة أو لدفع ضرر، فقد يجيء الحديث صحيحًا لا غبار عليه، ثم يرى العلماء أنه سيفهم على غير وجه، أو أن إشاعته بين العامة سوف تمس تعاليم الإسلام القائمة، فيحكمون بوقف مسيرته، وإلقاء ستار عليه. ويضرب على ذلك مثلا ببعض الأحاديث التي لا تقبل شهادة المرأة في بعض الشئون، مع كونها قد تكون ممن يحضرها أكثر من الرجل.

الشيخ الغزالي والحديث الضعيف
وكان للشيخ الغزالي رأى في الأحاديث الضعيفة، فكان يستأنس بالأحاديث الضعيفة إذا وافقت القرآن الكريم، وما صح من السنة النبوية، ومع ذلك فإنه يضع لها الضوابط التي لا تجعل المرء يشذ عن المنهج القويم، كما يتطلب هذا الموقف اللين من أصحابه معرفة واعية بقواعد الدين، ومقاصده العامة، وآثاره الصحيحة.

ولا يمانع الشيخ الغزالي في الأخذ بالحديث الضعيف – مع تقرير القواعد السابقة – خاصة في مجال الوعظ والإرشاد.

ويسوق في هذا المجال أحاديث ليلة النصف من شعبان، وأن الإمام المنذري قد ذكر فيها مراسيل جيدة، ومع أن فيها نظرًا، لكنها لا تخرج عن المبادئ الكلية للإسلام.

السنة بين العادة والتشريع
كما يرى الشيخ الغزالي أنه لا بد من التفرقة بين ما صدر عن رسول الله عليه وسلم من حيث إنه وحي وتشريع، وبين ما هو عادي بحكم بشريته صلى الله عليه وسلم، فليس كل ما صدر عليه صلى الله عليه وسلم يطالب المسلم بفعله من جهة الوجوب أو الندب، بل هناك أمور كان يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم مراعاة للبيئة التي كان يعيش فيها، كما أنه صلى الله عليه وسلم كان يراعي المخاطبين في بعض هذه الأمور التي ترجع إلى العادة.

وفي ذلك يطرح الشيخ الغزالي السؤال: هل العاديات التي فعلها الرسول صلى الله عليه وسلم تعتبر دينًا، يبر فاعلها ويأثم تاركها؟.

ويقرر الشيخ الغزالي اتفاق العلماء على أن ما فعله صلى الله عليه وسلم في حدود طبيعته البشرية الخاصة، فالمسلم غير مكلف باتباعه، ويضرب على ذلك مثلاً بأكل خالد بن الوليد – رضي الله عنه – الضب، ورفض النبي صلى الله عليه وسلم له، معللاً أن لم يألف أكله في قومه وأرضه، ولم ينكر الرسول صلى الله عليه وسلم على خالد بن الوليد ذلك.

وبذلك فإن كل ما فعله صلى الله عليه وسلم بعيدًا عن وظيفة النبوية والرسالة، فليس تكليفا للناس باتباعه.

أما فيما فعله صلى الله عليه وسلم ولم يظهر منه أن فعله قربة إلى الله، ورغم اختلاف العلماء بشأنه فمنهم من قال بندبه ومنهم من ساوى بين الفعل والترك، وآخرون ذهبوا إلى وجوب الفعل.

أما الشيخ الغزالي فيدلي برأيه قائلاً: "أما السنة ففيها عاديات لا نكلف باعتبارها كالعبادات اللازمة، وفيها توجيهات موقوتة بزمان مضى، وفيها توجيهات منظور فيها إلى أحوال معينة، وأقوام مخصوصين".

ويستدل لرأيه بـ "أن الصحابة رضوان الله عليهم – وهم أعلم الناس بالدين، وأحرص الناس على اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما يقرب إلى الله – كانوا يشاهدون من النبي صلى الله عليه وسلم أفعالاً، ولما لم يظهر لهم فيها قصد القربة، لم يتخذوها دينًا يتعبدون به، ويدعون الناس إليه".

ويضرب الشيخ الغزالي على ذلك أمثلة، مثل:

1- سير النبي صلى الله عليه وسلم في طريق الساحل وقت الهجرة، ولم يسلكه الصحابة في الهجرة.

2- اختباء النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر – رضي الله عنه – في الغار، ولم يفعله الصحابة.

3- مراجعة الحباب بن المنذر – رضي الله عنه – الرسول صلى الله عليه وسلم في المكان الذي ينزلونه يوم بدر، وقد رجع النبي صلى الله عليه وسلم عن رأيه، ونزل على رأي الحباب.

فلم يكن فعله صلى الله عليه وسلم على سبيل الاقتداء، وإلا لما ساغ للحباب – رضي الله عنه – أن يراجعه فيه، بل وينزل النبي صلى الله عليه وسلم على رأيه.

ويعقب الشيخ الغزالي قائلاً: "ولاشك أن إقحام الشئون العادية البحتة في نطاق الدين إضرار بدين الله ودنيا الناس جميعًا".

علاقة الفقهاء بالسنة
ومن أهم القضايا التي طرحها الشيخ الغزالي هو علاقة الفقهاء بالسنة، وهو يقرر أن الحكم على الحديث بالصحة أو البطلان لا يقف عند عمل المحدثين، بل لا بد من إشراك الفقهاء في هذا العمل الهام؛ لأن معظم الأحاديث حوت أحكاما شرعية، كان الفقهاء أولى الناس بفهمها من غيرهم، بل إنه يدعو أن يشترك في الحكم على الحديث علماء الإسلام، لأن الأحاديث حوت مسائل في العقيدة والفقه والسلوك والأخلاق وغيرها، فلا يجب حصر الحكم على الحديث على عمل المحدثين وحدهم، ويشير إلى أن للفقهاء ضوابط في الحكم على الحديث وتوثيق السنة عندهم، وهو أمر مشتهر عند المذاهب الأربعة، ويقرر الشيخ أنه لا فقه بلا سنة، ولا سنة بلا فقه، فهما وجهان لعملة واحدة.

وخلاصة موقف الشيخ الغزالي من السنة أنه مع جمهور العلماء، إذ إنه يراها دليلا شرعيا معتبرا، وأنه لم يطعن في السنة، وإنما نظر في بعض الأحاديث فرأى عدم صحتها حسب اجتهاده، وقد ركن إلى مناهج علماء سابقين، فلم يكن بدعا في الأمر، فالأحاديث التي لم ير الغزالي عدم صحتها سبقه إليه غيره، ولكن ربما أوجد هو لعدم صحتها أسبابا أخرى، أو دعما لما رآه السابقون.

وهو يرى العمل بحديث الآحاد في الأحكام الشرعية، بعد القرآن الكريم، ولا يأخذ بحديث الآحاد في العقيدة إلا إذا كان هناك ما يعضدها من الأدلة التشريعية الأقوى منها.

وأن السنة تالية للقرآن، وهي لا تنسخه، وأنه لا بد من الإحاطة بكل ما ورد في السنة من أحاديث حين النظر في مسألة من المسائل، ومعرفة أسباب ورودها والملابسات التي أحاطت بها من الزمان والمكان.

وأن أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم منها ما كان على سبيل العادة، ومنها ما كان على سبيل الوحي والتشريع.

وعلى الجملة، فإنه لا يمكن القول بأن الشيخ الغزالي أتى بجديد تفرد به وحده، غاية ما هناك أنه تسرع في الحكم على بعض الأحاديث بعدم الصحة، وكان يمكن الأخذ بتأويلها والنظر إليها بنوع من الفهم حيث يبقى الحكم عليها بالصحة كما رآه كثيرون من الأقدمين، فالتسرع بالحكم على بعض الأحاديث مما يجب الحذر منه، والتأني فيه، وإن كان الشيخ ضعف بعض الأحاديث، فهي جملة آحاد مع الآلاف من الأحاديث التي حكم عليها بالصحة.

المراجع :

السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث

دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين

ليس من الإسلام

دفاع عن العقيدة والشريعة

فقه السيرة

نظرات في القرآن

من هنا نعلم

كيف نفهم الإسلام

الإسلام والطاقات المعطلة

قذائف الحق

مشكلات في طريق الحياة الإسلامية

مائة سؤال عن الإسلام

جهاد الدعوة بين عجز الداخل وكيد الخارج

ركائز الإيمان بين العقل والقلب

المحاور الخمسة للقرآن الكريم

----------------------------
جهوده في الإصلاح


حقوق الإنسان وليدة التوحيد

الشعوب هنا تختار حكَّامهم وتُبعدهم إن سَئِمَتْهم! أما عندنا فالشعوب تفاجأ بحاكِمِيها كما يفاجأ المريض بعلة لا يعرف كيف الخلاص منها!...‏



--------------------------------------------------------------------------------


الأسباب وراء نكسة المسلمين

إن خطأ المسلمين لا ذنب للإسلام فيه، ومن هنا تأتي النكسات؛ لتدلل على أسبابها، من تسلط على الحكم وجعله بالوراثة، وامتهان كرامة المرأة وهضم حقوقها، وانفصال العلم عن الحكم وإبعاد العلماء عن ساحة السياسة والحكم...‏



--------------------------------------------------------------------------------


الشيخ الغزالي.. السياسي المفكر في وجه الطغيان

إن حضارة الغرب تكره الله وتنفر من الحديث عنه وعن لقائه يوم الجزاء... وهي ناشطة في محاربة الإسلام وحده، وقد أقامت هيئة الأمم دولة لليهود على أنقاض العرب والمسلمين، إن التهديد يتجه للإسلام وأمته ونهضته، وإذا لم نستيقظ على عجل هلكنا.‏..‏
---------------------------

مؤلفات الشيخ

كتيبة الجهاد الغزالية

مسعود صبري *


غلاف كتاب تراثنا الفكري في ميزان الشرع والعقل

ترك الشيخ الغزالي -رحمه الله- كتبه التي ألفها، والتي تزيد على الخمسين كتابا؛ لتمثل معالم المنهج الفكري والمشروع الحضاري للإسلام، كما يراه الشيخ الغزالي رحمه الله.

ولم يكن هَمُّ الشيخ في التأليف مجرد إصدار كتب، بل كان همه وضع لَبِنَات في البناء الفكري والحضاري للأمة؛ مما جعل تلك المؤلفات بمثابة كتيبة للجهاد الفكري الغزالي؛ فقد أتت متنوعة لتشمل ما يشغل الأمة في الداخل والخارج، فتصد كيدا من هنا، وما تلبث أن تصد آخر من هناك.

فقد جاهد -رحمه الله- الاستبداد السياسي المتمثل في الملكية المصرية، وما نجم عنها من فساد اجتماعي، وواجه تحديات الحضارة الغربية التي حاولت طمس الهوية الإسلامية، كما سعى إلى تصحيح التيار الإسلامي باختلاف أنواعه، وسعى إلى إظهار ضرورة التحرر من الجمود الفكري، والتوقف عند حرفية النصوص على طول الخط، وأبرز صورة المرأة في المجتمع كما جاءت في الكتاب والسنة.

ففي مواجهة الاستبداد المالي والمظالم الاجتماعية جاءت كتبه: "الإسلام والأوضاع الاقتصادية"، و"الإسلام والمناهج الاشتراكية" و"الإسلام المفترى عليه بين الشيوعيين والرأسماليين"، و"الإسلام في وجه الزحف الأحمر".

وفي ميدان الجهاد ضد الاستبداد السياسي الذي كان يعتبر الشيخ علامة من علاماته جاءت كتبه: "الإسلام والاستبداد السياسي"، و"حقوق الإنسان بين تعاليم الإسلام وإعلان الأمم المتحدة"، وغيرها من الأفكار المضمنة داخل الكتب.

وفي مواجهة تحديات الحضارة الغربية التي تسعى إلى طمس الهوية الإسلامية، وإلى التشكيك في حقائقه، وتشويه صورته، والنيل من أعلامه، ومحاولة صرف الأنظار عنه.. جاءت كتبه: "من هنا نعلم" الذي سعى فيه لمحاربة علمنة الإسلام، و"حقيقة القومية العربية"، وفيه واجه تغريب القومية العربية، و"دفاع عن العقيدة والشريعة" الذي رد فيه على شبهات المستشرق المجري "جولد تسيهر" التي أثارها في كتابه: "العقيدة والشريعة"، وكذلك " الغزو الفكري يمتد في فراغنا" و"مستقبل الإسلام خارج أرضه وكيف نفكر فيه"، وغير ذلك من كتابات في الجهاد الفكري في كتبه الأخرى.

كما اهتم الشيخ الغزالي بنقد الذات الإسلامية، وتجديدها بالغذاء الإسلامي الصالح والصحيح؛ تجديدا للعقل والقلب، وتصفية للرؤية، وترقيقا للمشاعر، وكان هذا الميدان من أكبر الميادين التي كتب فيها الشيخ الغزالي؛ لأهميتها في الاستعداد للنصر المنشود، وكتب في كذلك عدة كتب، أهمها: "خلق المسلم" و"جدد حياتك"، و"التعصب والتسامح"، و"ليس من الإسلام"، و"هذا ديننا"، و"من معالم الحق" و"كيف نفهم الإسلام؟"، و"نظرات في القرآن" و"مع الله .. دراسات في الدعوة والدعاة"، و"معركة المصحف"، و"كفاح دين"، و"الإسلام والطاقات المعطلة"، و"الجانب العاطفي من الإسلام"، و"سر تأخر المسلمين"، وغير ذلك من الكتابات في هذا الجانب.



غلاف كتاب ليس من الإسلام

وكان مما شغل بال الشيخ في كتاباته مواجهة الجمود الفكري، والوقوف عند حرفية النصوص، أو ما أسماها "الظاهرية البدوية" التي تقلل من شأن العقل، وتفل من عزم المسلمين في مواجهة التحديات المعاصرة، وتكرس التخلف؛ فقد ألف الشيخ بعض كتبه في هذا المجال، كان أهمها: "دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين" الذي شرح فيه ما يعرف بالأصول العشرين لفهم الإسلام عند الشيخ حسن البنا -رحمه الله- وهي من أهم ما يميز جماعة "الإخوان المسلمون" في التنظير الفكري؛ فشرحها، وأضاف إليها الشيخ الغزالي عشرة؛ لتتم الثلاثين، رأى الشيخ أنها تمثل مشروعا فكريا إصلاحيا.

وكذلك كتابه "السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث" الذي سعى فيه لإعادة دور الفقهاء في الحديث الشريف، وقدم منهجا للتعامل مع السنة النبوية المشرفة في ضوء القواعد العامة للإسلام، دون الوقوف عند المحدثين وحدهم في فهم الحديث والتعامل مع السنة.

وتلك هي كتب الشيخ الغزالي مرتبة حسب تاريخ صدورها :

1- الإسلام والأوضاع الاقتصادية

2- الإسلام والمناهج الاشتراكية

3- الإسلام والاستبداد السياسي

4- الإسلام المفترى عليه بين الشيوعيين والرأسماليين

5- من هنا نعلم

6- تأملات في الدين والحياة

7- خلق المسلم

8- عقيدة المسلم

9- التعصب والتسامح

10- فقه السيرة

11- في موكب الدعاة

12- ظلام من الغرب

13- جدد حياتك

14- ليس من الإسلام

15- من معالم الحق

16- كيف نفهم الإسلام

17- الاستعمار أحقاد وأطماع

18- نظرات في القرآن

19- مع الله – دراسات في الدعوة والدعاة

20- معركة المصحف

21- كفاح دين

22- الإسلام والطاقات المعطلة

23- حقوق الإنسان بين تعاليم الإسلام وإعلام الأمم المتحدة

24- هذا ديننا

25- حقيقة القومية العربية وأسطورة البعث العربي

26- الجانب العاطفي من الإسلام

27- دفاع عن العقيدة والشريعة ضد مطاعن المستشرقين

28- ركائز الإيمان بين العقل والقلب

29- حصاد الغرور

30- الإسلام في وجه الزحف الأحمر

31- قذائف الحق

32- الدعوة الإسلامية تستقبل قرنها الخامس عشر

33- فن الذكر والدعاء عند خاتم الأنبياء

34- دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين

35- واقع العالم الإسلامي في مطلع القرن الخامس عشر

36- مشكلات في طريق الحياة الإسلامية

37- هموم داعية

38- مائة سؤال عن الإسلام

39- علل وأدوية

40- مستقبل الإسلام خارج أرضه وكيف نفكر فيه

41- قصة حياة

42- سر تأخر العرب والمسلمين

43- الطريق من هنا

44- جهاد الدعوة بين عجز الداخل وكيد الخارج

45- القومية العربية

46- الحق المر

47- من معالم الحق في كفاحنا الإسلامي الحديث

48- الغزو الثقافي يمتد في فراغنا

49- المحاور الخمسة للقرآن الكريم

50- السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث

51- قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة

52- تراثنا الفكري في ميزان الشرع والعقل

53- كيف نتعامل مع القرآن الكريم

54- صيحة تحذير من دعاة التنصير

55- نحو تفسير موضوعي للقرآن الكريم.

56- كنوز من السنة.

اقرأ أيضًا:

الشيخ الغزالي .. جدد حياتك

الإسلام خارج أرضه .. طرقات إزميل الإصلاح

ويمكن لك مطالعة مستخلصات لأهم كتب الشيخ الغزالي

توقيع أبو صالح
أبو صالح غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-30-2007   #4
نائب المشرف العام

 الصورة الرمزية محمود بك العصافيري
 





محمود بك العصافيري has a spectacular aura aboutمحمود بك العصافيري has a spectacular aura aboutمحمود بك العصافيري has a spectacular aura aboutمحمود بك العصافيري has a spectacular aura aboutمحمود بك العصافيري has a spectacular aura aboutمحمود بك العصافيري has a spectacular aura aboutمحمود بك العصافيري has a spectacular aura aboutمحمود بك العصافيري has a spectacular aura about

السلام عليكم ورحمه الله

اخى الحبيب / الشيخ صبري عسكر
أوجه لك جزيل الشكر
لبيان لنا شخص الداعيه
الغزالى
نسأل الله ان يتقبل منا ومنكم صالح الاعمال

===========
محمود عسكر

توقيع محمود بك العصافيري

 




محمــــــود بـــك العصــــــــافيــري
اللهم اغفر لزوجتى ولوالدى وجميع موتى المسلمين
محمود بك العصافيري غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 05-31-2007   #5

أنوار مشرقة تشرف المنتديات

 الصورة الرمزية نسمة الفجر
 




نسمة الفجر تم تعطيل التقييم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

شيخنا الفاضل صبري عسكر، جهد موفق في البحث والتنقيب عن السيرة الثرية للعلامة الكبير محمد الغزالي الداعية والمصلح الفذ، حقا سيرة تستحق القراءة والتذكير حتى تعلم الأجيال الصاعدة ما ترك الاسلاف وما قدموه من غال ونفيس في سبيل إعلاء كلمة الحق، نسأل الله ان يجعله في ميزان حسناتك.

وقد استعرتني هذه الفقرة بحق :"الرجل صاحب الرسالة يعيش لفكرته ويعيش في فكرته، فحياته فكرة مجسمة تتحرك بين الناس، تحاول أبداً أن تفرض على الدنيا نفسها، وأن تغرس في حاضر الإنسانية جذرها ليمتد على مر الأيام والليالي فروعاً متشابكة تظلل المستقبل وتتغلغل فيه، ومن ثم تبدأ الدعوات والنهضات الكبرى برجل واحد، هو في بداية أمره أمة وحده، أمة يتخيل حقيقتها في رأسه، ويحس ضرورتها في دمه، ويبشر بها في كلامه، ويحمل أثقالها على كاهله".
فهي درس وعبرة وتفصيل لمهمة الرسالة والفكر الذي يعتقده المرء حيث التحفيز على العمل الدؤب كوحدة من أجل إيصال الهدف للمجتمع وحيث لا تنال المطالب إلا غصبا وحيث المسؤولية تستدعي الصبر والمضي قدما من أجل بلوغ المنشود، حقا كلام يوزن بالذهب إن لم يكن ذهب يعبر عن مدى رجاحة فكر الغزالي ووسطيته ومدى قبوله بالاختلاف في الرأي، وإذا كان الجاحفلة الذين يعلمون مما من الله بهم يتواضعون ويقبلون براي الآخر، فكيف لنا كجهل نتعنت لآرائنا وما هذا إلا لعدم معرفتنا بقدر أنفسنا وبقدر ما ننطق به من المغلطات، وهاهو الاستاذ خالد يتخلى عن مبدئه ويقبل بفكر الغزالي لأنه الأصوب ويضرب بمؤلفه عرض الحائط، صحيح هكذا يكون العطاء والأخذ بطرح السيىء والتشبت بالاصح، وهكذا يجب أن نتعامل مع افكار الآخر والدرس الأعظم ياتي من الغرب، فرغم اختلاف عقيدتهم ومبادئهم يحقون الحق ويدافعون عن الإسلام كعقيدة سمحاء وقوية وعادلة وصائبةن فسبحان الذي سخر موليير ونابويلون ليشهدوا بذلك، وسبحان الذي جعل العملاء ورثة الأنبياء في الارض.

فرحم الله الغزالي واسكنه فسيح جنانه وجميع علماء المسلمين يا رب العالمين.

توقيع 

 

نسمة الفجر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 09-13-2011   #6

وزيرة الشباب بالمنتديات

 الصورة الرمزية هناء
 




هناء has much to be proud ofهناء has much to be proud ofهناء has much to be proud ofهناء has much to be proud ofهناء has much to be proud ofهناء has much to be proud ofهناء has much to be proud ofهناء has much to be proud of

رد: الداعية الحزين

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

شيخنا الفاضل // صبري عسكر
جزاك الله خيراً

حقيقي مقال أكثر من رائع عن حياة الداعية ( محمد الغزالي )
ومؤلفاته تستحق القراءة فعلاً .

تقبل الله منك صالح الأعمال ووفقك للخير دائماً

توقيع 

 




هناء غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
انظر التحريف والكذب والشرك عند الرافضة (الشيعة) صقر الليل منتدى العقيدة والتوحيد 5 07-23-2007 02:11 p
أثر الدعوة والجهاد على عقيدة الولاء والبراء في نفس الداعية طالبة الفردوس منتدى الدعوة الى الله 2 05-16-2007 08:37 p
توجيهات ونصائح للمرأة الداعية صافى ابراهيم منتدى الأخوات المسلمات 2 11-28-2006 04:43 p
الكتاب : أخلاق العلماء للآجري طريق الشروق منتدى السيرة والتاريخ الإسلامي 3 09-13-2006 02:51 p


الساعة الآن 12:51 p


Powered by vBulletin® Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
ترقية وتطوير شبكة الصقر

تمت حماية الموقع بواسطة 444وافي

تصميم شبكة الصقر
تصميم شبكة الصقر